Left Sidebar
Left Sidebar
Featured News
Right Sidebar
Right Sidebar

الدكتور عبد الرضا علي: الخيال الشعبي في الميثولوجيا العربيّة.

تستضيف مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 13/4/2016 الناقد والكاتب العراقي الدكتور عبد الرضا علي في أمسية ثقافية يتحدث فيها عما في التراث من أساطير ودور الخيال الشعبي في الميثولوجيا العربية. الدكتور عبد الرضا علي ولد في بغداد عام 1941م. حصل على بكالوريوس - اللغة العربية في الجامعة المستنصرية سنة 1971 م، حصل على الماجستير في الأدب الحديث والنقد من جامعة القاهرة سنة 1976م, حصل على الدكتوراه من كلية الآداب جامعة بغداد 1987م, اصدر اكثر من 15 كتابا ،وكتب ونشر العشرات من المقالات ، عمل استاذا في عدد من الجامعات العراقية والعربية والاوربية ،وحصل على عدة تكريمات لجهوده الاكاديمية. الخيال الشعبي في الميثولوجيا العربيّة ضيفت مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 13/4/2016 الناقد والكاتب العراقي الدكتور عبد الرضا علي في أمسية ثقافية تحدث فيها عما في التراث من أساطير ودور الخيال الشعبي في الميثولوجيا العربية. كما تبع المحاضرة تكريم الدكتور عبد الرضا علي بتقديم درع مؤسسة الحوار الانساني قدمه الاستاذ غانم جواد مدير المؤسسة، اعترافا بالجهد الفكري والاكاديمي للضيف المحتفى به. الدكتور عبد الرضا علي ولد في بغداد عام 1941م. حصل على بكالوريوس - اللغة العربية في الجامعة المستنصرية سنة 1971 م، حصل على الماجستير في الأدب الحديث والنقد من جامعة القاهرة سنة 1976م, حصل على الدكتوراه من كلية الآداب جامعة بغداد 1987م, اصدر اكثر من 15 كتابا ،وكتب ونشر العشرات من المقالات ، عمل استاذا في عدد من الجامعات العراقية والعربية والاوربية ،وحصل على عدة تكريمات لجهوده الاكاديمية. المقدمة وقد ابتدأ الدكتور عبد الرضا علي محاضرته بالقول ؛ تراثُ أيّة أمّةٍ معناه ما تقدّمهُ تلك الأمةُ في سنيّ حياتِها من جهدٍ ثقافيٍّ، وفكريٍّ، وحضاريٍّ لأبنائها على وجه الخصوص، وللإنسانيّة على وجه العموم، والتراثُ ينقسم أقساماً ثلاثة : 1-التراثُ الدينيُّ : ويُقصدُ بهِ التراث الذي يرتبطُ بقيمِ السماءِ لكلِّ شعوبِ العالمِ. والدراساتُ الشعبيّةُ حين تضعُ الإشارةَ تريدُ أن تنبّهَ إلى أنّ الباحثين في قسمتِهم للتراثِ لايفرّقونَ بين أُممِ الأرضِ، ودياناتِها مهما اختلفت تلك الأعراقُ أو الديانات. 2-التراثُ الرسميُّ : ويُقصدُ به التراثُ المدوّنُ الذي كتبته الأممُ ،وانتقلَ مكتوباً إلى الحاضرِ عبر الأجيالِ، كما هو الحال في التراثِ العربي المدوّنِ بالفصحى، وهو غيرُ تراثِها الشعبيِّ المنقولِ شفاهاً. 3- التراثُ الشعبيُّ : ويقصد به ما كان خاصاً بأمّةٍ من الأمم ،وتناقلته شفاهاً جيلاً بعد جيلٍ، ويندرجُ تحته:العاداتُ، والتقاليدُ، والحرفُ اليدويّة، والفنُّ الفطريُّ، وفنونُ الأدبِ الشعبيّ من أساطيرَ، وملاحمَ، وسِيَرٍ شعبيّةٍ وحكاياتٍ وأمثالٍ وأغان ٍ، وشعرٍ عاميٍّ وغيرِ ذلك. الخيال الفني واضاف ؛ وفي هذا التراثِ المتنوّعِ لا تعدَمُ أن تجدَ الكثيرَ من المُخيّلِ المنافي للعقلِ والمنطق، وهو شأنٌ ينبغي توصيفُهُ منهجيّاً. فالخيالُ الفنّيُّ : تشكيلٌ سحريٌّ يؤديه كلامٌ يُثيرُ في المتلقّي انفعالاً هدفَ إليهِ صانعُهُ مع سبقِ الإصرارِ والترصّدِ، بعدَ أنْ تقصّى حركتَهُ النفسيّة بتصميمٍ واعٍ، وتقديرٍ ذكيٍّ، وهذا التشكيلُ السحريُّ لا يقدِرُ عليهِ غير الفنّانِ المبدعِ، وهو على وفقِ رأيِ العلامةِ المرحومِ عليّ جواد الطاهرِ : (( أن تخلقَ من أشياء مألوفةٍ شيئاً غيرَ مألوفٍ في الفنِّ عموماً .)) وقد أشار إلى أهمّيتهِ في الإبداعِ نقادنا القدامى، وأوضحوا قيمتهُ الفنّيَّةَ في عمليّةِ الإدهاش، والإثارةِ . ولعلَّ خيرَ من وقفَ عندهُ من القدامى ابن سينا في كتابهِ ((الشفاء)) حين قال: (( والمُخيّلُ هو الكلامُ الذي تذعنُ لهُ النفسُ فتنبسطُ عن أمورٍ، وتنقبضُ عن أُمورٍ من غيرِ رويَّةٍ وفكرٍ واختيار.وبالجملة تنفعلُ لهُ انفعالاً نفسانيَّاً غيرَ فكريٍّ، سواء كان المقول مصدّقاً بهِ، أم غيرَ مصدّقٍ.)) فالبردُّونيُّ حين يقولُ : طلبتُ فطورَ اثنينِ قالوا: بأنّني وحيدٌ فقلتُ: اثنينِ إنَّ معي صنعا فقد خلقَ من هذهِ المفرداتِ المألوفةِ المعروفة: طلبتُ، اثنين، وحيد، فطور، صنعاء... إلخ، صورةً غيرَ مألوفةٍ في سحريّةِ الأداءِ . وكما في قولهِ أيضاً : ليسَ بيني وبينَ شيءٍ قرابةْ عالمي غربةٌ، زماني غَرابةْ ربّما جئتُ قبلَ، أوبعدَ وقتي! أو أتَتْ عنـهُ فترةٌ بالنـيابةْ وهكذا يتمُّ تكوينُ الخيال الساحرِ. لكنّنا في إشارتِنا إلى الخيالِ الشعبيِّ في الميثولوجيا العربيّةِ نتوسّعُ في قبولِ هذا السحرِ الفنّيِّ، فنُشيرُ إلى ما كانَ خارجاً عن مألوفِ الاستساغةِ والقبولِ، أي إلى ما كانَ خيالاً وهميَّاً لا مكانَ فيهِ للعقلِ، ولا يملكُ سلطاناً من المنطقِ كـ : زواجِ السعالي من الرجالِ، وزواجِ الجنِّ من بني الإنسانِ، وعبثِ الغولِ بالمسافرِ، ومشيِ النسناسِ برجلٍ واحدةٍ، وقدرةِ (( الهاتفِ)) على تغييرِ مواقفِ الرجالِ، ومقاتلةِ ((الشِّق)) للإنسان بالسيفِ إذا انفردَ به،، وما إلى ذلك من أساطيرَ، ومعتقداتٍ آمنَ بها بعضُ العربِ، وحفظتْها لنا أسفارُهم، وهي أمورٌ تؤكّدُ مقولة أدونيس من أنَّ (( الأسطورةَ دفءٌ للعقلِ والجسد)) ممّا يذكِّرُ به الشاعرُ الفرنسيُّ باتريس دولار دوبان في عبارتهِ الجميلة : (( الشعبُ الذي لا أساطيرَ له يموتُ من البرد)) خير دليلٍ على أهميّةِ هذا الدفءِ الفنّيِّ. المصطلحات المشتبكة مع الميثولوجيا ثم انتقل د. عبد الرضا علي الى شرح بعض المصطلحات المتداخلة مع موضوع الميثولوجيا فقال ؛ ولعلّ من ضروراتِ المنهجِ أن نوضحَ الآتي: الخُرافة : لم تُعنَ معاجِمُنا العربيّةُ عنايةً تامّةً بمصطلحِ ((الخرافة)) بل إنَّ بعضَها لم يُشرْ إليهاِ، في حين ظلّتْ إشاراتُ بعضِهم موجزةً، ويبدو أنَّ الأصلَ اللغويَّ قد جاء من خُرافةِ التمرِ، ففي اللسان نقرأُ : وخَرَفْتُ فلاناً أَخرفُه إذا لَقَطْتَ له الثَّمرَ. أَبو عمرو: اخْرُفْ لنا ثمَرَ النخلِ، وخَرَفْتُ الثِّمار أَخْرُفُها، بالضم، أَي اجْتَنَيْتُها، الثمر مَخْرُوفٌ وخَريف. وأَخْرَفَ النخلُ: حانَ خِرافُه ، كما أنّكَ لا تعدم وجودَ معنىٍ آخر لكلمة (خرافة) تنبئ عن كلامٍ كذبٍ لا طائلَ منه ، فقد ورد في العُبابِ الزاخرِ أنّ ((خرافة أسمُ رجلٍ من عذرة استهوتْهُ الجنُّ فكان يحدِّثُ بما رأى؛ فكذبوه، وقالوا:حديثُ خرافةٍ. وقال الليث:الخرافة: حديثٌ مستملحٌ كذب.)) غير أنَّ حكاياتِ ((لافونتين)) أوضحت أنَّ الخُرافةَ في الأدبِ الشعبيِّ : هي قصّةٌ قصيرةٌ خياليّةٌ أبطالُها من الحيوانات والبشرِ، فيها الشعرُ أكثرُ من النثرِ، وقد بيّنَ الكاتبُ الفرنسي ((فلوبير)) أنَّ ((لافونتين)) قد تأثّرَ بكتاب ((كَليلة ودِمنة)) لابنِ المقفّعِ المترجمِ من الفارسيّةِ عن الأصلِ الهنديِّ. إذاً، فالخرافةُ قصّةٌ اختلطت فيها الرموزُ الحيوانيّةُ بالشخوصِ الإنسانيّةِ على نسقٍ من الأخيلةِ التي لا ترتبطُ بالواقعِ أبداً، لكنّها تؤدّي مغزى ، أو تهدفُ إلى نشرِ فضيلةٍ ما. الأسطورةُ : ما زالَ تعريفُ الأسطورةِ غائماً غيرَ محدّدٍ، وما زالتِ الآراءُ والنظراتُ فيها تُشكّلُ خلافاً جوهريّاً حتى بالنسبةِ إلى المتخصّصينَ، وشهادةُ ((صمويل نوح كريمر)) خيرُ دليلٍ على هذا الخلاف، فقد ذهبَ إلى أنَّ المحدثينَ من دارسي الأساطيرِ يختلفونَ اختلافاً جذريّاً في نظراتِهم لطبيعةِ الأساطيرِ، وميدانِها، ومدلولها.فقد ذهبَ بعضهم إلى أنّها ((نتاجٌ صبيانيٌّ ووهمٌ نزقٌ)) بينما يرى آخرون أنَّ (( أساطيرَ العالمِ القديمِ إنّما تمثّلُ واحدةً من أعمقِ منجزاتِ الروحِ الإنسانيّ، وهو الخلقُ الملهمُ لعقولٍ شاعريّةٍ خياليّةٍ موهوبةٍ سليمةٍ لمْ يفسدْها تيّارُ الفحصِ العلميِّ، ولا العقليّةُ التحليليّةُ))، في حين يراها ثالثٌ (( أنّها لم تزدْ على أنْ تكونَ رواياتٍ خرافيّةٍ تطوّرتْ من أجلِ تفسيرِ طبيعةِ الكونِ ومصيرِ الإنسانِ، وأصولِ العاداتِ والعقائدِ، والأعمالِ الجاريةِ في أيامهم، وكذلك أسماء الأماكنِ المقدّسةِ والأفرادِ البارزينَ .)) وقد أكَّدَ بعضُ النقّادِ العربِ أنَّ الأسطورةَ هي الجزءُ القوليُّ المصاحبُ للطقوسِ البدائيّةِ . ولكثرةِ هذهِ التفسيراتِ فقد قسّمَ بعض النقّادِ الأسطورةَ إلى أقسامٍ عديدةٍ، واختلفوا أيضاً في أنواعِها، فذهبت الدكتورة ((نبيلة ابراهيم)) إلى تعدادِ خمسةِ أنواعٍ منها: 1- الأسطورةُ الطقوسيّةُ 2 – أسطورةُ التكوين 3 – الأسطورةُ التعليليّةُ 4 – الأسطورةُ الرمزيّةُ 5 – أسطورةُ البطلِ الإله . بينما يقسّمُها الدكتور أحمد كمال زكي أربعةَ أقسامٍ هي: 1 – الأسطورةُ الطقوسيّةُ 2 – الأسطورةُ التعليليّةُ 3 – الأسطورةُ الرمزيّةُ 4 – التاريخسطورة. نخْـلُصُ من هذا إلى أنَّ الأسطورةَ ما هي إلا الوعاءُ الأشملُ الذي فسّرَ فيهِ البدائيُّ وجودَهُ، وعلّلَ فيهِ نظرتَهُ إلى الكونِ محدِّداً علاقتهُ بالطبيعةِ من خلالِ علاقتِهِ بالآلهةِ التي عدّها القوّةَ المسيّرةَ والمنظّمةَ والمسيطرةَ على جميعِ الظواهرِ الطبيعيّةِ من تعاقبِ الفصولِ، والليلِ والنهارِ، والخصبِ والجفافِ . مازجاً فيها الجانبَ السحريَّ بالدينيِّ، وصولاً إلى تطمينِ نفسهِ، بوضعِ حدٍّ لقلقهِ، وأسئلتهِ الكثيرةِ . فهي إذاً حصيلةُ تجاربَ، ومواقفَ عبّرت عن رضاهُ الزّمني في ذلكَ الحينِ، فكانت تاريخاً لتأمّلهِ الفكريِّ ( بداءةً من جهلِهِ قبلَ وعيهِ) وشرحاً لما جابههُ من مصاعبَ ومواقفَ في عالمهِ المخيفِ . إنّها أُسلوبٌ لشرحِ معنى الحياةِ والوجودِ صيغَ بمنطقٍ عاطفيٍّ كادَ يخلو من المسبّباتِ امتزجَ فيه التأمّلُ بالتأريخِ، والعلمُ بالخيالِ، والحلمُ بالواقعِ، فكانتِ الفنَّ الإنسانيَّ الأوّلَ الذي جعلهُ يعيشُ مع الجماعةِ بعلاقاتٍ حميمةٍ أملاً في تحقيقِ تكاثرهِ الإنسانيِّ، وسيادتِهِ على عالمِ الطبيعةِ العجيبِ. صور من الاخيلة الشعبية لدى العرب وفيما يأتي صورٌ من هذه الأخيلةِ الشعبيّةِ التي حفظتها لنا المظانُ القديمةُ: الغولُ والسعالي: عالجَ المعجمُ العربيُّ كلمةَ )(غول() فرآها لغةً ((من غاله الشيءُ غَوْلاً واغْتاله: أَهلكه وأَخذه من حيث لم يَدْر.))، والعربُ أمنت بوجودِ الغول والسعالي، ولم تناقشْ في كونها حقيقةً أم خرافة، فقد دخلت إلى العقليّةَ العربيّةَ بارتياحٍ. والغُولُ، بالضم: السِّعْلاةُ، والجمعُ أَغْوال، وغِيلان..والتَّغَوُّل: التَّلَوُّن (( لسان العرب.)) إنَّ الغولَ في معظمِ المظانِ مؤنّثةٌ، وهي تتراءى للناسِ في الفلواتِ فتضلُّهم في الطريقِ، ثمَّ تهلكهُم، وأنّ معظمَهم يرى أنَّ ((السعلاة)) هي أنثى الغول، والعامّةُ من العربِ القدامى يُشبّهونَ المرأة َ السيئةَ الخُلقِ، والعجوزَ الخبيثةَ بالسِّعلاتِ، قال الراجز : لقد رأيتُ عجباً مذ أمـسى عجائزاً مثلَ السَّعالي خمسا يأكلنَ ما في رحلِهنَّ همسا لا تركَ اللهُ لهُـنَّ ضِرسـا وقال الأعشى ميمون: وشيوخٍ صرعى بشطّي أريكٍ ونساءٍ كأنّهنَّ الســـَّعالي وأنشدَ الفرّاءُ قول علباءِ بن أرقم في ((الوَتْم)) وهو قلب السين تاءً: يا قبّحَ اللهُ بنـي السَّــعلاةِ عمروِ بنِ يربوعَ شرارِ الناتِ ليـــسوا أعفَّاءَ ولا أكياتِ إنَّ الغولَ لا تخرجُ على الناسِ إذا كانوا زرافاتٍ، إنّما تخرجُ عليهم إذا كانوا وحداناً، ويذكرونَ أنها لا تخرجُ في الأماكنِ العامّةِ، ولا في الطرقِ السالكةِ، أنّما تختارُ الفيافيَ المقفرةَ لتترصّدَ الضعيفَ الخائرَ، والمهزوزَ الرعديدَ حينَ يكونُ وحيداً منفرداً، فتوقعُهُ في حبائلها، وتعبثُ به، وترعبُهُ، لذلك لاتقتربُ من الشجعانِ، ولا من عظماءِ الناسِ، ((وفي حديث النبي، صلى الله عليه وسلم: عليكم بالدُّلْجة فإِن الأَرض تطوى بالليل، وإِذا تَغَوَّلت لكم الغِيلان فبادروا بالأَذان ولا تنزلوا على جوادِّ الطريق ولا تصلّوا عليها فإِنها مأْوى الحيات والسباع أَي ادفعوا شرّها بذكر الله،)) . الانسان والجان زواجُ بني الإنسانِ من الجانِّ : أشارت بعضُ المصادرِ القديمةِ إلى أنَّ الإنسَ قد تزوّجوا من الجنِّ، مستشهدةً بحكاياتٍ خرافيّةٍ، وأساطيرَ توزّعت بين التركيزِ والإطنابِ، ونحنُ إذ نشيرُ إلى قصّتينِ ممّا أدخلهُ الخيالُ الشعبيُّ في هذا التراثِ الميثولوجيِّ، لاننسى ما كانَ من أثرِ كعبِ الأحبارِ، و وهبِ بن منبّهٍ في صناعتها، لاسيّما كتاب الأخيرِ الموسومِ بـ ((كتاب التيجان في ملوكِ حمير)) ، فهما المسؤولانِ عن هذا الخلطِ بين الواقعِ ، واللاواقع أحياناً، وبينَ خلقِ الأساطيرِ في أحايينَ أخرى. وقبلَ أنْ نُشيرَ إلى تينكَ القصّتينِ من هذا الخيالِ الشعبيِّ نوردُ ما ذكرهُ القاضي بدرُ الدين بنِ عبد الله الشبليِّ في كتابه (( غرائب وعجائب الجنِّ كما يصوّرُها القرآنُ والسنّةُ)) فقد قالَ : (( وأمّا وقوعُ ذلك فقالَ أبو سعيد عثمانُ بنُ سعيدٍ الدارميِّ في كتاب: (( إتباعُ السنن والأخبار)) حدّثنا محمّد بنُ حميد الرازي، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا الأعمش، حدّثني شيخٌ من بُجيل قالَ : علِقَ رجلٌ من الجنِّ جاريةً لنا ثمَّ خطبها إلينا وقالَ : إنّي أكرهُ أنْ أنالَ منها محرَّماً، فزوّجناها منه، قال: فظهرَ معنا يُحدِّثُنا، فقلنا: ما أنتم؟ فقال: أممٌ أمثالكم، وفينا قبائلُ كقبائلكم، قلنا: فهل فيكم هذهِ الأهواء؟ قالَ : نعم فينا من كلِّ الأهواءِ القدريّة،والشيعةُ، والمرجئةُ قلنا: من أيها أنتَ؟ قالَ: من المرجئة. وقالَ أحمدُ بنُ سليمان النجاد في أماليه: حدّثنا عليُّ بنُ الحسنِ بنِ سليمان أبي الشعناء الحضرميِّ أحدِ شيوخِ مسلمِ، حدّثنا أبو معاويةَ، سمعتُ الأعمشَ يقولُ: تزوّجَ إلينا جنّيٌّ فقلتُ له: ما أحبُّ الطعامِ إليكم فقالَ: الأرز قالَ : فأتيناهُ بهِ فجعلتُ أرى اللقمَ تُرفعُ ولا أرى احداً، فقلتُ : فيكم من هذهِ الأهواءِ التي فينا؟ قالَ : نعم. قلتُ : فما الرافضةُ فيكم؟ قال: شرُّنا.)). وفيما يأتي القصّتانِ : الأولى ـ زواج الهدهاد من فارعةِ الجنيّةِ : وردت هذه القصّةُ في تعقيباتِ بعضِ الإخباريين، وهم يتحدّثون عن والدِ بلقيس ملكة اليمن، ووالدتِها،لاسيّما ما أورده القاضي بدر الدين الشبلي في ((غرائب وعجائب الجنِّ)) ص:91، وما فصّله وهب بن منبّه في ((كتاب التيجان في ملوك حمير)) ص: 145-172. إنَّ بلقيسَ حقيقةٌ وتاريخ، وقد ذُكِرت في القران الكريم، وقصّةُ زواجِها من سليمانَ عليهِ السلامُ من القصصِ القرآنيِّ الذي يحملُ الموعظةَ والمغزى، والتأكيدَ على حقيقةِ الوجودِ، لكنَّ القرانَ الكريمَ لم يُشِرْ إلى والِدَي بلقيسَ، لأنَّ اللهَ سبحانهُ لم يشأْ ذلك، من هنا تلقّفَ الخيالُ الشعبيُّ هذا الأمرَ، ونسجَ قصصاً ما أنزلَ اللهُ بها من سلطان. ففي قولهِ تعالى: (( قيلَ لها ادخُلي الصَّرْحَ فلمَّا رأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وكَـشَفَتْ عن ساقيها قالَ إنَّه صَرْحٌ مُمَرَّدٌ من قواريرَ قالَتْ ربِّ إنِّي ظلَمتُ نفسي وأسلمْتُ مع سليمانَ للهِ ربِّ العالمين .))⁽¹²⁾ إشارةٌ إلى ما كان من عملٍ مدهشٍ لذلك الصَرْحِ بحيثُ حسبتْهُ ماءً رقراقاً فكشفتْ عن ساقيها لئلا تبتلَ ملابسُها الملكيّةُ، فما كان من صانعي الخيالِ إلا استثمارَ الساقينِ، فأشاروا إلى أنها ((شعراء الساقين، ورجلها كحافرِ الحمارِ)) وبعد أنْ(( أسلمت، وعزم سليمانُ على تزويجها، فأمر الشياطينَ فاتّخذوا الحمّامَ والنورةَ، وهو أولُ من اتخذَ الحمّامَ والنورةَ، وطلوا بالنورةِ ساقيها، فصارَ كالفضّةِ، فتزوّجها... وأبقاها على ملكها. وكان يزورُها في كلِّ شهرٍ مرّةً على البساطِ والريح.)) فهي إذاً بنتٌ من الجانِّ، وذكروا أنَّ والدَ بلقيس(وأسماؤهُ عديدةٌ وأشهرها) الهدهادَ رأى حيّتينِ، أو ثُعبانينِ ((أسودَ وأبيضَ)) يقتتلان، فأمالَ الإناءَ إلى الأبيضِ، فارتوى، فتمكّنَ الأبيضُ من قتلِ الأسودِ، فظهرَ الجنُّ للهدهادِ، وبيّنوا له أنَّ الثعبانَ الأبيضَ كان من أبناِء ملوكهم،(( وما جزاؤك عندنا إلا أخته نزوجُها منك،وهي رواحةُ بنتُ سكنٍ. فزوجوهُ إياها وقالوا له: لها عليك شرطٌ لا تسألها عن شيء تفعله مما تستنكرُ منها، فإن سألتها فهو فراقُها. قال: نعم.)) وولدت له ولدين وأنثى، فكانت الأنثى هي بلقيس، لكنَّ رواحةَ فارقتْهُ حين خالفَ شروطَها، وسألَها عن الكلبةِ التي كانت تجيءُ وتأخذُ الطفلَ حين يبلغُ عمره سنةً، فقالت له : (( فارقتك يا هدهاد.إعلمْ أنهُ لم يُجَرَّ منهم أحدٌ، بل هم محمولون، وتلكَ درّةٌ تحملُهم وتربيهم حتى يبلغوا خمسَ سنين فيأتوكَ أنقياءَ، فأمّا ابنُكَ الأوّلُ فقد مات أحسن اللهُ عزاءَكَ فيه. وأمّا الآخر فإنهُ يأتيكَ وليسَ يعيشُ بعدَ أبيوهو يموتُ، وأمّا ابنتُكَ فإنها تأتيكَ وتعيشُ لك. ثمَّ ذهبت عنه فلم يرَها بعدها، ووجدَ في الفراشِ ابنَهُ وبنتَهُ بلقيس، فمات الصَّبي، وعاشت بلقيس .)) الثانية ـ زواجُ عمرو بن يربوع من السعلاة: وقد أوردها أبو زيد في نوادره، و الجاحظ في الحيوان، فضلاً عن أبي العلاء المعرّي في الفصول والغايات، وملخّصها أنَّ رجلاً من الأعرابِ اسمه عمرو بن يربوع تزوّج السعلاةَ، وقد نبّهه أهلُها إلى أنّها ستكون خيرَ امرأةٍ ما لم ترَ برقاً، وحذَروه من أنّها إذا رأتِ البرقَ فستفارقُهُ عائدةً إلى أهلها، فعليهِ أن يسترها من رؤيةِ البرقِ، فمكثت عنده زماناً حتى ولدت لهُ بنين، فأبصرت ذاتَ يومٍ برقاً فقالت له: ألزم بنيكَ عمرو إنّــي آبقُ برقٌ على أرضِ ألسعالي آلقُ وقد كانَ عمرو بن يربوع يخبئ السعلاةَ تحت خيمتهِ، وحين يستشعرُ قربَ حلولِ الوميضِ يغطيها كي لا تراهُ، غير أنهُ لم ينتبه للوميضِ الأخيرِ، فقرّرت ترك عمرو بعدَ أن غشيَ الوميضُ عينيها، فاستحالت طيراً، وغادرت خيمة عمروٍ وهو يردّدُ : رأى برقاً فأوضعَ فوقَ بكرٍ فلا بكَ ما أسالَ وما أغاما وهو بيتٌ لا شعريّةَ فيه، يدلُّ على أنَّ واضعه لم يكن شاعراً، بقدرِ ما كان ذا خيالٍ جامحٍ، علماً أنَّنا أوردنا استشهادَ الفرّاءِ بأبياتِ علباءِ بن أرقم في ((الوَتم)) كما وردت في كتاب الحيوان للجاحظِ: يا قبّحَ اللهُ بنـي السَّــعلاةِ عمروِ بنِ يربوعَ شرارِ الناتِ ليـــسوا أعفَّاءَ ولا أكياتِ مدنٌ أسطوريّة من المدنِ، والأماكنِ التي حفلت بالخيالِ الشعبيِّ عند ياقوت الحمويِّ في معجم البلدان((إرَم ذات العماد)) و (( عين وبار))،فقد اختلطت فيها الحقائقُ بالأخيلةِ، وإذا كانت إرمُ ذاتُ العماد قد تعرّفها المتلقّون من خلالَ القرانِ الكريمِ في قولهِ تعالى في سورة الفجرِ : ((ألمْ ترَ كيفَ فعلَ ربُّكَ بعادٍ، إرَمَ ذاتِ العمادِ، التي لم يُخْلَقْ مِثْلُها في البلاد)) ، فإنّ الإخباريين أشاروا إلى أنّ شدّادَ بنَ عادٍ بنى جنَّةً في الأرضِ، لينافِسَ بها جنّةَ اللهِ (( فلمّا قرب شدّادَ من المدينةِ جاءتْه صيحةٌ من السّماِء فماتَ هو وأصحابُهُ أجمعونَ، حتّى لمْ يبقَ منهم مخبرٌ (...) وساختِ المدينةُ في الأرضِ، فلم يدخلْها بعدَ ذلكَ أحدٌ إلا رجلٌ واحدٌ في أيّامِ معاوية َ يُقالُ لهُ عبد الله بن قلابة (...) خرجَ من صنعاءَ في بُغاءِ إبلٍ لهُ ضلّت، فأفضى بهِ السيرُ إلى مدينةٍ صفتها كما ذكرنا. وأخذَ منها شيئاً من بنادقِ المسكِ والكافور، وشيئاً من الياقوتِ، وقصدَ إلى معاوية َبالشامِ، وأخبرهُ بذلك، وأراهُ الجواهرَ والبنادقَ وكانَ قد اصفرَّ، وغيَّرتهُ الأزمنةُ، فأرسلَ معاويةُ إلى كعبِ الأحبارِ وسألهُ عن ذلك فقال: هذهِ إرَمُ ذاتُ العمادِ التي ذكرها الله عزَّ وجلَّ في كتابهِ، بناها شدّادُ بنُ عادٍ (...) وقيل شدادُ بنُ عميلق بنِ عويجِ بنِ عامرٍ بنِ إرَمَ (...) ولا سبيلَ إلى دخولِها، ولا يدخُلُها إلا رجلٌ واحدٌ صفتُهُ كذا، ووصفَ صفةَ عبدِ اللهِ بنِ قلابة.)) وهم بتحديدِهم أوحديّةِ الرائي يُغلقون على الآخر سبلَ المناقشةِ، ولعلَّ ذكرَ طوفانِها عند العراقيين، وأنها لاتظهرُ إلا لشخصٍ واحدٍ كلَّ أربعينَ عاماً هو الذي جعلَ السيّابَ يراها مدينتَهُ الفاضلةَ، وإن أجرى ذلك على لسانِ جدِّ أبيه : ((ولن أراها بعدُ، إنَّ عمريَ انقضى وليس يُرجِعُ الزمانُ ما مضى. سوفَ أراها فيكمُ، فأنتمُ الأريجْ بعدَ ذبولِ زهرتي. فإنْ رأى إرَمْ واحدُكم فليطرقِ البابَ ولا ينمْ إرَمْ ... في خاطري من ذكرِها ألمْ حلمُ صبايَ ضاعَ... آه ضاعَ حينَ تمْ وعمري انقضى .)) أما ((عينُ وبار)) فإنَّ قصَّـتَها وردت عند ياقوت الحمويِّ بروايتينِ، لكنَّهما تؤكّدانِ معاً إلى ما ألمعنا إليهِ من أوحديّةِ الراوي، وفردانيّتهِ، وبذا فلا سبيلَ غيرَ الانتقالِ من فضائها الجغرافي، إلى الفضاءِ الميثولوجي لتحقيقِ متعةِ الإدهاشِ ليس غير، وإليكم ما أورده الحموي في روايتهِ الأولى حين قال: ((...إنَّ رجلاً من أهلِ اليمنِ رأى في إبلهِ ذاتَ يومٍ فحلاً كأنّه كوكبٌ بياضاً، وحُسناً، فأقرَّهُ فيها حتى ضربها. فلمّا ألقحَها ذهبَ ولم يرَهُ، حتى كان في العامِ المقبلِ فإنه جاءَ وقد نتجَ الرجلُ إبلهُ، وتحرّكتْ أولادُهُ فيها، فلم يزلْ فيها حتى ألقحَها، ثمَّ انصرفَ. وفعلَ ذلكَ ثلاثَ سنينَ، فلمّا كانَ في الثالثةِ وأرادَ الانصرافَ هَدَرَ، فاتّبعَهُ سائرُ ولدِهِ، ومضى، فتبِعهُ الرجلُ حتى وصلَ إلى وَبارِ، وصارَ إلى عينٍ عظيمةٍ ، وصادفَ حولها إبلاً حوشيّةً، وحميراً، وبقراً، وظباءً، وغير ذلك من الحيواناتِ التي لا تُحصى كثرةً، وبعضُه آنسَ ببعضٍ، ورأى نخلاً كثيرةً حاملاً وغيرَ حاملٍ، والتمرُ ملقىً حولَ النخلِ قديماً وحديثاً، بعضُهُ على بعضٍ، ولم يرَ أحداً(...) فبينما هو واقفٌ يفكِّرُ إذ أتاهُ رجلٌ من الجنِّ فقالَ له: ما وقوفكَ هنا؟. فقصَّ عليهِ قصّةَ الإبلِ ، فقال: لو كنتَ فعلتَ ذلك على معرفةٍ لقتلتُك، ولكن اذهبْ، وإياكَ والمعاودة، فإنَّ هذا جملٌ من إبلنا عمدَ إلى أولادهِ فجاء بها، ثمَّ أعطاهُ جملاً وقالَ له: انجُ بنفسكَ وهذا الجملُ لك(...) ثمَّ جاء الرجلُ وحدَّثَ بعضَ ملوكِ كندَةَ بذلك، فسارَ يطلبُ الموضعَ، فأقامَ مدّةً فلم يقدر عليهِ، وكانت العينُ عينَ وَبارِ.)) استيلادُ الجنِّ عمد الخيالُ الشعبيُّ الخلاقُ إلى استيلادِ شخصيّاتٍ من الجنِّ تلقّفها الناسُ، ثمَّ أشاعوها بينهم، وتداولوا قصصاً عنها، فتلقّفها الإخباريّونَ، ونسبوا بعضها إلى رموزٍ من الرعيلِ الأوّل من المسلمينَ، وأوردوها على أنّها حقائقُ، ومن هذه الشخصيّات المستولدة : (( الشقُّ)) و((النسناسُ)) و((الرِّئيُّ)) و ((الهاتفُ)). وقد اختلفت هذهِ الكائناتُ الجنيّةُ الأسطوريّةُ في الأشكالِ، والأفعالِ، فـ (( الشِّقُّ)) و((النِسناسُ)) متشابهانِ شكلاً، مختلفانِ فعلاً، إلا أنّهما بعينٍ واحدةٍ، ورجْـلٍ، ويدٍ، ويتكلّمانِ كالإنسانِ، لكنَّهما يختلفانِ في التكوينِ الانفعاليِّ، فـ الشِّقُ شرّيرٌ لا يظهرُ إلا للسائرِ الضعيفِ المنعزِلِ المنفردِ، فيعتدي عليهِ، ولا يتردّدُ في قتلهِ ، بينما النِّسناسُ ضعيفٌ لا قدرةَ لهُ على الدفاعِ عن نفسِهِ حينَ يتعرّضُ لهُ الصيّادونَ، لذلك يقعُ فريسةً بين أيديهم، فيذبحونَهُ، ويشوونَهُ. فعنِ الشّقِّ ذكرَ أبو عثمانَ الجاحِظُ في الحيوانِ : (( خرجَ في الجاهليّةِ علقمةُ بنُ صفوانٍ بنِ أميَّةَ بنِ محرثِ الكنانيِّ جدِّ مروانَ بنِ الحكمِ ، وهو يريدُ مالاً له بمكّةَ، وهو على حمارٍ، وعليهِ إزارٌ ورداءٌ، ومعهُ مِقرعةٌ في ليلةٍ أضحيانةٍ، حتى انتهى إلى موضعٍ يُقالُ له حائطُ حزمان، فإذا هو بِشقٍّ لهُ يدٌ، ورجلٌ، ومعهُ سيفٌ، وهو يقولُ: علقمُ إنّــي مقتولْ.....وإنَّ لحمـي مأكولْ أضربهم بالهدلـولْ.....ضربَ غلامٍ شملولْ رحبَ الذراعِ بهلولْ فقالَ علقمةُ : يا شِقَّها مالـي ولكْ؟.....أغمدَ عنّي منصلكْ تقتُلُ مــن لا يقتُلُكْ! فقالَ شِقُّ: عبَّيتُ لكْ عبَّيتُ لكْ.....كيمــا أُتيحَ مقتلَكْ فاصبر لما قد حُمَّ لكْ قالَ: فضربَ كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَهُ، فخرَّا ميّتينِ ، فممَّن قتلتِ الجنُّ علقمَةَ بنَ صفوانٍ هذا، وحربَ بنَ أُميّةَ .)) وعنِ النِّسناسِ قالَ ياقوتُ الحمويُّ في معجمِ البلدانِ : ((وقد ذكرَ بعضُ العربِ قالَ : قدِمتُ الشَّحْرَ، فنزلتُ على رجلٍ من مَهرَةَ ، له رياسةٌ، وخطرٌ، فأقمتُ عندَهُ أيَّاماً، فذكرتُ عندَهَ النِّسناسَ، فقالَ : إنّا نصيدُهُ ونأكلُهُ، وهو دابّةٌ لهُ يدٌ واحدةٌ ، ورجْـلٌ واحدةٌ، وكذلكَ جميعُ ما فيهِ من الأعضاءِ، فقلتُ لهُ : أنا واللهِ اُحبُّ أنْ أراهُ (...) ثمَّ غدونا بالكلابِ، فصرنا إلى غيضةٍ عظيمةٍ، وذلكَ في آخرِ الليلِ، فإذا واحدٌ يقولُ: يا أبا مجمرْ، إنَّ الصبحَ قد أسفرْ، والليلَ قد أدبرْ، والقنصَ قد حضرْ، فعليك بالوَزرْ (السلاح)، فقالَ له الآخرُ: كلي ولا تراعي، قالَ: فأرسلوا الكلابَ عليهم، فرأيتُ أبا مجمرٍ وقد اعتورَهُ كلبانِ وهو يقولُ: الويلُ لي ممّا بهِ دهانـي.... دهري من الهمومِ والأحزانِ قـفـا قليلاً أيهـا الكلبانِ.....وأسمعا قولـي وصدِّقانـي إنَّكما حيـنَ تحاربانـي.....ألفيتماني خضلاً عنانـي لو بي شبابي ما ملكتماني.....حتى تموتا أو تخلياني قال: فالتقيا عليهِ وأخذاهُ. فلمّا حضرَ غذاءُ الرجلِ ، أتوا بأبي مجمرٍ بعد الطعامِ مشوِيّاً .))⁽²³⁾ أمّا ((الرِّئيُّ)) و ((الهاتفُ)) فهما جنّيانِ استولدا في بداءةِ البعثةِ النبويّةِ الشريفةِ ليقّدما المساعدةَ لأشخاصٍ محدّدينَ . وإذا كان الرِّئيُّ لا يظهرُ إلا لعليةِ القومِِ وسراتِهم، وشعرائهم، ويحتجبُ عن العامّةِ، فإنَّ ((الهاتفَ)) لا يظهرُ لأحدٍ أبداً، إنّما يسمعونَ صوتَهُ، ولا يبصرونَ هيأتَهُ. فعن الرِّئيِّ (( شِصار))، وهو رئيُّ خنافر قالَ أبو عليٍّ القالي في الأماليّ : (( قالَ خنافرُ : وكانَ رئيِّ في الجاهليّةِ لا يكادُ يتغيَّبُ عنِّي ، فلمّا شاع الإسلامُ فقدتُهُ مدّةً طويلةً وساءني ذلك. فبينما أنا ليلةً بذلك الوادي نائماً إذ هوى هويَ العُقابِ، فقال : خنافر، فقلتُ : شِصار؟ فقال: إسمعْ أقلْ، فقلتُ : قُلْ أسمعْ، فقال : (...) إنّكَ سجينٌ موصولٌ، والنصحُ لكَ مبذولٌ (...) رسولٌ من مُضَر، من أهلِ المَدَر، ابتُعِثَ فظهر، فجاءَ بقولٍ بهَر، وأوضحَ نهجاً قد دَثر*، فيهِ مواعظُ لمن اعتبر، ومعاذٌ لمن ازدجر، ألِفَ بالآيِ الكبر، فقلتُ : ومن هذا المبعوثُ من مُضَر؟ قال: أحمدُ خيرُ البشر، فإن آمنتَ أُعطيتَ الشِّبَر*، وإن خالفتَ أُصليتَ سقر. فآمنتُ يا خنافرُ، وأقبلتُ إليكَ أبادرُ، (...) فبتُّ مذعوراً أراعي الصباحَ، فرددتُ الإبِلَ على أربابِها، بحولِها، وسقابِها، وأقبلتُ أريدُ صنعاءَ ، فأصبتُ بها معاذَ بنَ جبل (...) فبايعتُه على الإسلام ... )). الاعمار الاسطورية أما هواتفُ لقمان بن عاد، فقد تعدَّدتْ، فحينَ خرجَ مع الوفدِ للاستسقاءِ طلبَ طولَ العمرِ، وقد ذكرَ أسطورتَهُ وهب بن منبّه في (كتابِ التيجان في ملوك حمير) في الصفحاتِ : 369 ـ 380، ومما جاء فيها : (( لما توجّهَ لقمانُ مع الوفدِ (...) اختار طول عُمرِهِ، فكان من دعائهِ حين سألَ طولَ العمر (...) : اللهُ يا رَبَّ البحارِ الخضرِ والأرضِ ذاتِ النَّبْتِ بعدَ القطرِ أسألْكَ عمراً فوقَ كلِّ عمرِ فنوديَ قد أعطيتَ ما سألتَ، ولا سبيلَ إلى الخلودِ، فاخترْ إنْ شئتَ سبعَ بقراتٍ من ظبياتِ عُفر {أي تعلو بياضها حمرة } فـي جبلٍ وعر، لا يمسُّها قَطر، وإنْ شئتَ بقاءَ سبعةِ أنسُرٍ سحر، كلَّما هلكَ نِسرٌ، أعقبَهُ نِسر. فكان اختيارُهُ بقاءَ النسورِ ...)) . وقد اختتم د. عبد الرضا علي محاضرته بالقول ؛ أمّا عن العمرِ الذي بلغهُ لقمان، فإنَّ الخيال الشعبي يحلِّقُ فيه عالياً، فقد جاء في(( كتاب التيجان في ملوك حمير)) أنَّ عمرهُ بلغَ أكثر من ألفٍ وسبعمئةِ سنةٍ، وأربعٍ وستين، ولعلَّ من الطريفِ هنا أنَّ عبيد بن شريّة الذي يروي قصّةَ لقمانٍ لمعاوية يحاولُ أنْ يفصِّل لمعاوية أنَّ هذا العمر هو مجموعٌ لأعمارِ النسور السبعةِ، فضلاً عن إضافةِ سنواتِ عمرِ لقمان التي عاشها قبل النسور، التي جاوزت الثلاثمئةِ عام، وإليكم ما ذكره وهب بن منبّه تحديداً : (( قال معاويةُ : للهِ أنتَ يا عبيد! أخبرني كم كانَ عمره؟ قال: بلغني أنَّ عُمُرَهُ كانَ ألفَ سنةٍ وسبعمئةِ سنةٍ ، وأربعاً وستينَ سنةً . قال معاويةُ : فعمرُ النسورِ من ذلكَ كم؟ قال عبيد : إنّي سمعتُ ابنَ عمِّكَ يقولُ : كانَ عمرُ كلِّ نسرٍ مئةَ سنةٍ، وزيدَ لُبد عليها نيِّفاً . وذكرَ غيرُهُ أنَّ أعمارَها كانت مختلفةً (...) كان عمرُ النسورِ التي متِّعَ بِها ألفَ سنةٍ وأربعمئةٍ ونيِّفاً، وكانَ عمر لقمانَ قبلَ النسورِ ثلاثمةً ونيّفاً، وستينَ سنة .)) ..

Copyright © 2018Alsalam House