Left Sidebar
Left Sidebar
Featured News
Right Sidebar
Right Sidebar

د. عبدالجبار الرفاعي: تناغم القانون والقيم في الدولة الحديثة .


تناغم القانون والقيم في الدولة الحديثة د. عبدالجبار الرفاعي الكلُّ يعرف أن نموذجَ الدولة الحديثة بُني على الفكرِ السياسي ونظرياتِ الدولةِ التي صاغها المفكرون في عصرَي النهضةِ والأنوار. ودولةُ الغرب الحديثة هي الدولةُ التي ما زلنا نتمناها، ويلوذُ بها الهاربون من جورِ حكوماتِنا وعسفِها، منذ أن حدّثنا عنها رجلُ الدين الأزهري رفاعة رافع الطهطاوي "1801 – 1873"، الذي انبهر بنظامِ الحكمِ والتربيةِ والتعليمِ والثقافةِ والفنونِ والآدابِ في فرنسا، واهتمّ بالتأليفِ والترجمةِ لنقلِ ما تعلّمه وعاشه بباريس بعد عودته لوطنِه مصر، ويمكن الاطلاعُ على شيء من تجربته وانطباعاته في كتابِه الأثير: "تخليص الإبريز في تلخيص باريز". ما زلنا حتى اليوم نحاولُ اقتباسَ أشكالِ دساتير دولةِ الغرب الحديثة وتعدّديّتِها السياسية وتداولِها السلمي للسلطة ومشاركتها الشعبية وانتخاباتِها، وعملها على الفصلِ بين السلطات، وتفكيكِ تمركزها بيد شخص واحد، وقدرتِها على تحريرِ المجتمع من تغوّلِ السلطةِ وطغيانِها، وحمايتها لأموالِ الشعب وثرواتِه من لصوصيةِ رجالِ السلطة. لم تتأسّس دولةُ الغرب الحديثة إلّا على القانونِ الذي صنعه الإنسان، والقيم التي تتناغم مع روح هذا القانون، وتركّزت استراتيجياتُها وبرامجُها في التربيةِ والتعليمِ والثقافةِ والإعلامِ على بناءِ شخصيةِ المواطنِ الذي يحترمُ القانون، ويكون مسؤولًا حيالَ المجتمع والدولة، ويكفل له القانونُ حرياتِه وحقوقَه بوصفه إنسانًا. ولذلك نجحتْ بإدارةِ التعدّد وتدبيرِ التنوع، وحسمِ أكثر النزاعات بشكل سلمي. ولما كان بناءُ الدولة الحديثة لا ينجزه إلّا القانون والقيم المتناغمة معه، يصبحّ الرهانُ في بناء دولتِنا على أساسِ حياةٍ روحية خاوية أو ضميرٍ أخلاقيّ هشّ، هو رهانٌ على أمرٍ لم يتحقّق بعد، ولن يولد غدًا في فضاءِ تديّن شكلي، لم ينجز هذا التديّنُ وعودَه في بناءِ حياةٍ دينية سليمة، بعد أن فشلَ في تربية الروح وإيقاظِ جذوة الضمير الأخلاقي. الدولةُ الحديثةُ تُبنى على القانونِ الحديثِ والقيم المتناغمة معه، والصرامةِ العادلةِ في تطبيقه، أما التدينُ والتقوى فيمكن أن يساعدا في تطبيقِ القانون، بل لو انتفى التدينُ والتقوى لتمكنَ الإنسانُ من بناءِ هذه الدولةِ، ما دام هناك قانونٌ حديثٌ وقيمٌ متناغمةٌ معه، وعدالةٌ في تطبيقه على الكلِّ بالمساواةِ، كما نجد نموذجَ هذه الدولة اليوم ماثلًا في العديد من البلدان، فقد تأسّست الدولةُ الحديثةُ على أساسِ القانون ببلدانٍ مختلفة في أوروبا وكندا واستراليا والولايات المتحدة. رهانُنا على بناء الإنسان الروحي والأخلاقي الداخلي، الذي تتعهده جماعاتٌ دينيةٌ ومعاهدُ تعليم ديني ومدارسُ ومدوناتٌ كلاميةٌ وفقهية، لا يبني دولةً حديثة. لم تترقب المجتمعاتُ الأخرى جهودَ الكنائس والأديرة والمعابد والمدارس والجماعات الدينية ومدوّنات الدين واللاهوت لتبني لها دولَها. الدولةُ التي أسّسها الكهنوتُ الكنسي في العصور الوسطى استعبدت الإنسان، وتحكّمت بكل شيء في حياته، فلم تترقب المجتمعاتُ من الكنيسة بناءَ دولة حديثة، ولم تنشغل ببناء الإنسان الداخلي أولًا، ليبني بعد ذلك هذا الإنسانُ الدولة، بل انشغلت بتأسيس دولةٍ على أساس فكرٍ سياسي جديد، ولوائح للحريات والحقوق وضعها فلاسفةٌ ومفكرون ومشرّعون. أدركت هذه المجتمعاتُ ديناميكيةَ التغيير الاجتماعي العميقة، وكيف أنها جدليةٌ تفاعليةٌ بين الخارج والداخل، فبناءُ دولةٍ متينة في الخارج من شأنه أن يعملَ على بناء الإنسان من الداخل، وبناءُ الإنسان في الداخل من شأنه أن يعزّز قدراتِ مؤسّساتِ وأجهزةِ الدولة وفاعليتِها. إن بناءَ الدولة الحديثة على أساس القانون لم يكن على الضدِّ من نظامِ القيمِ والثقافة العامة في المجتمع، بل كانت القيمُ على الدوام متناغمةً مع القانون المطبق فيها والثقافة العامة للمجتمع، بنحو صارت القيمُ في حياة المجتمع تتحدّث لغةَ القانون، والقانونُ يتحدث لغةَ القيم، وكلاهما يتحدثان لغة ثقافة المجتمع، وكأن الكلَّ ألحانُ سيمفونية واحدة. التناغمُ بين نظام القيم والقانون والثقافة العامة في الدولة الحديثة يعودُ إلى أنها كلها تنبثق من رؤيةٍ واحدة للعالم، وتنتمي إلى فضاء العقل الحديث ومكتسباته، لذلك لا نرى تناشزًا بين سلوك المواطن وبين القانون والقيم المتناغمة معه والثقافة العامة. المواطنُ في هذه الدولة قلّما يكذبُ أو يلجأ للتمويهِ والخداعِ والنفاق في سلوكِه ومواقفِه المختلفة، وقلّما يلجأ للمراوغة والتسويف والإهمال والكسل في أداء وظيفته، سواءٌ أكان يعملُ في وظيفة حكومية أم غير حكومية، للتناغم بين نظام القيم والقانون والثقافة العامة، ولأن نظامَ الحقوق والحريات يُمنَح للإنسان بوصفه إنسانًا، ويضمنُ له حرياتِه وحقوقَه مهما كان لونُه أو جنسُه أو معتقدُه، فلا يجد المواطنُ عندئذٍ حاجةً للكذب، أو السلوك غير المسؤول الذي يعمل على تصدّع بنية المجتمع والدولة. أما ما يُلاحَظ على سلوك بعض المهاجرين الجدد لهذه الدول، ممن يتورطون في ممارسات لا أخلاقية أحيانًا مثل الكذب والتمويه والخداع والسرقة، فيعود إلى التناشز الذي يحدث بين نظام القيم وثقافة المهاجر التي تبتني على رؤيته للعالَم، واختلافها عن نظام القيم والقانون السائد في البلاد التي هاجر حديثًا اليها. إن التناغمَ بين نظام القيم والقانون والثقافة العامة يشكّلُ أرضية صلبة لبناء أية مؤسّسة في الحياة. فلو لم يتناغم نظامُ القيم مع القانونِ والثقافة العامة أو حدث بينها فصامٌ، سيؤدّي ذلك إلى حدوث اختلالاتٍ عميقة، وتهشّم بنية هذه المؤسّسة وتبدّدها. وتحضرُ الثقةُ كقيمة عليا في الدولِ المتقدّمةِ. والمعروف أن رأسَ المال الاجتماعي يتراكم برصيد الثقة، لذلك نجد تطوّرَ الدول يقاسُ بمدى بناء الثقة وتجذّرها بوصفها قيمةً مجتمعيةً محوريةً في حياة مواطنيها. ففي الدول المتقدّمة ترتفعُ بدرجات قياسية معدلاتُ: الصدقِ، والأمانة، والإخلاص، والنزاهة، وتقدير قيمة الوقت، والمثابرة على العمل، والتعامل مع المواطن بوصفه مواطنًا وكفى، من دون النظر لمعتقده أو إثنيته أو عشيرته أو طبقته، وذلك ما يدعو أكثرَ الناس الذين يتعاملون مع المؤسّسات الحكومية وغيرِها للشعور بالرضا وعدم المظلومية. ويتناسب معدلُ النمو في كلّ دولة مع قوة حضور هذه القيم في المجتمع، ويتراجع تبعًا لهشاشة حضورها. وتوفِّرُ الثقةُ وهذه القيمُ بمجموعها حاضنةً حيوية لانسجام المجتمع مع القانون، وتظهرُ فاعليتُها بوضوح في تطبيقِه وتنفيذِه بأقل كلفة، وتخفّضُ بدرجة كبيرة حالةَ التناشز بين المجتمع والدولة. هناك فصامٌ بين نُظمِ الدولة الحديثة التي نطمح إلى أن نبنيها ونظامِ القيم المشتق من ثقافتنا وتقاليدنا العشائرية والتديّن الشكلي في مجتمعنا. لذلك يتكرّر باستمرار إخفاقُ محاولاتنا لبناء هذه الدولة، منذ خلاص بلادنا من الاستعمار المباشر حتى اليوم، ففي كلّ مرة نبدأ ببناء دولتنا الحديثة ننتهي إلى انتكاسات مريعة، نرتدّ معها إلى حيث بدأنا، ونعودُ لموقعنا الذي كنا فيه، وكأننا ندور في مدارات مغلقة. لقد عجزنا عن توطين الدولة الحديثة في بلادنا، إثر عجزنا عن إعادة بناء نظام القيم في ثقافتنا بما يتواءم ونُظم هذه الدولة، فانهارت تجربةُ بناء الدولة بعد كلّ محاولة جديدة، وعُدنا حيث كنا إلى نظامِ قيمِ بداوتنا وقبائلنا وتديّننا الشكلي الذي هو على الضدّ من الدولة الحديثة. وبغية إعادة بناء نظام القيم في ثقافتنا بما يتواءم ونُظم الدولة الحديثة من الضروري استئنافُ قراءةِ النصّ الديني في سياق مناهجَ التأويلِ والمعارفِ الجديدة، ومتطلباتِ مجتمعات عالَم الإسلامِ اليوم. هذه القراءة يفرضها إنتاجُ تناغمٍ بين نظام القيم والقانون والثقافة الذي نحن بحاجة ماسّة إليه لإنجازِ دولتنا الحديثة، وإعادة بناء مجتمعنا في ضوء الأفق التاريخي لعصرنا. من الضروري أن تتبصّرَ القراءةُ الجديدةُ مقاصدَ النصّ، وتكتشفَ دلالاتِه العميقة، كي يضيءَ معناهُ حياتَنا، فننتقل مع هذا المعنى من أفقٍ ماضٍ الى أفقٍ راهن. معنى تحضر فيه الدلالاتُ الروحيّة والأخلاقيّة والجماليّة المحوريّة لبناء حياتِنا ومجتمعاتِنا، ويحرّرنا من الدلالاتِ التي أسقطتها حاجاتٌ وأحلامٌ ورغباتٌ مكبوتةٌ لجماعاتٍ منفيّةٍ في تاريخِ الإسلام، تلك الدلالاتُ الغريبة عن روح النصِّ ومراميه، والتي أخفقتْ حتى اليوم في تشييد نظامِ قيمٍ يعمل على تربيةِ الروح وبعثِ الضميرِ الأخلاقي لدى معظم من يأتمنه الشعبُ على بناءِ الأوطان وعمارةِ البلدان. .

Copyright © 2016 Al-Salam House