Left Sidebar
Left Sidebar
Featured News
Right Sidebar
Right Sidebar

عبدالجبار الرفاعي: الرحمةُ مفتاحُ فهمِ المنطق الداخلي للقرآن .


اتخذت الرحمةُ فضاءً واسعًا في القرآنِ الكريم لم تتخذه في الكتابِ المقدّس وغيرِه من نصوص الأديان، إذ وردت بصيغٍ متنوّعة في القرآن تصرّح بشمولِها كلَّ شَيْءٍ وعدمِ خروجِ أي شَيْءٍ عنها، وهو ما تحدّثت به آياتٌ متعددةٌ، مثل: «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ»[1]، «كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ»[2]، «فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ»[3]، «رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَٰنِ»[4]، «وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ»[5]، «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»[6]، «قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ»[7]، «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ»[8]، «وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً»[9]. «مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا»[10]، «رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا»[11]، «إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ»[12]. «ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ»[13]، «إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا»[14]، «قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا»[15]، «فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ»[16]، «فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»[17]، «رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ»[18]. الرحمةُ مفهومٌ مفتاحي لفهمِ المنطق الداخلي للقرآن، إذ تشكّل شبكةَ نسيجٍ دلالي تتسعُ لتغطي كلَّ ما ورد فيه. إنها تكثيفٌ دلالي لمعنى يهيمن على كلِّ معاني السور والآيات في الكتاب، «فليس في أمِّ الكتاب آيةُ غضبٍ بل كلّها رحمة، وهي الحاكمةُ على كل آية في الكتاب لأنها الأمُّ، فسبقَتْ رحمتُه غضبَه»[19]. الرحمةُ الإلهية هي المحورُ الذي تدورُ حولَه كلُ دلالاتِ القرآن، وهي المنطق الكلّي الذي يسري في آياته، وكلُ دلالةٍ يتبادرُ منها أنها تنفيها أو تتعارضُ معها تعبّرُ عن موقفٍ زمني خاصّ بعصر النزول، فرضته ضروراتُ ظرفية لمجتمع البعثة. وإلّا فكيف ينفي الكتابُ منطقَه الكلي، إن كانت الآيةُ والسورةُ فيه مفرغة من رحمة الله. وينفرد القرآنُ من بين الكتبِ المقدّسةِ كلِّها في أن سورَه تبدأ بــ«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، التي يُعبّر عنها بـ«البسملةِ»، وكما يقول جماعةٌ من المفسّرين والفقهاء إنها تُحتسَبُ آيةً من كلِّ سورة. وذهب بعضُ المفسرين إلى أن كلَّ بسملةٍ هي آيةٌ مستقلة، لها معنى موجّه ومرشد لمضمون ما تقوله السورةُ التي تتصدّرها، وكأنها بمثابة البوصلة التي ترسم وجهةً محدَّدة للسير. البسملةُ آيةٌ تبوح بلغةِ الرحمة التي يتأطّر بها المضمونُ الكلّي لتلك السورة، ومعناها يتنوّع بتنوّع مقاصدِ السور وما ترمي إليه مفاهيمُها، وغرضُها لا يخرج عن غرضِ السورة، وما يتحصّل من غاياتها. إنها حاكمةٌ على كلِّ المفاهيم التي تتحدّث عنها آياتُ السورة. وبعبارة أخرى إن افتتاحَ كلِّ سورة بالبسملة يعني أن الرحمةَ الناطقةَ بها البسملةُ مهيمنةٌ على المدلول العام للسورة، وحاكيةٌ عن أغراضها، فإن كان مضمونُ السورة أخلاقيًّا فإنه يكون متقوّمًا بالرحمة، وهكذا لو كان المضمونُ عقائديًّا أو تشريعيًّا يكون متقوّمًا بالرحمة أيضًا. فتقديمُ نصّ كلِّ سورة بما تشتمل عليه البسملةُ من رحمةٍ يشي بأن المضامينَ المسوقةَ في آياتِ القرآن كافةً تتحدّث لغةَ البسملة، وعلى الرغم من تنوّعِ دلالاتِ الآيات، لكنها تلتقي في مشترَك يوحِّدُ ما ترمي إليه وهو الرحمةُ. الرحمةُ دليلٌ تهتدي به معاني القرآن. الرحمةُ تحدّد مقاصدَ الآيات وتُرشد إلى مراميها، وتصوغ رسالةَ السورة في سياقٍ قرآني يتناغم بمجموعه في إيقاع روحي وأخلاقي موحّد[20]. لقد وجدتُ أن كلمةَ «الرحمة» وردت في 268 موضعًا في القرآن الكريم، ووردت «الرحمةُ» والكلمات ذات الصلة بها في القرآن أكثر من 330 مرة[21]، ما خلا ما ورد من تكرار البسملة في كلِّ سور القرآن إلّا سورةَ التوبة، لكنها تكرّرت في مفتتح سورة النمل والآية 30 منها[22]، فصار مجموعها 114 مرة. وبناء على القولِ بأن البسملةَ آيةٌ من كلِّ سورة، وورودِ «الرحمن الرحيم» في كلّ بسملة، فإن عددَ مرات ذكرِ الرحمةِ ومشتقاتِها في القرآن يفوق 550 مرة. كما ورد فيه جذر كلمة «رحم» 563 مرة. وبذلك يتميز القرآنُ عن كتبِ الأديان بسعةِ مساحةِ حضورِ الرحمة وكثافتها في كلماته. يصف القرآنُ الكريم النبيَّ محمد بأنه رحمة، ويذكرُ بصراحة أن هذه الرحمةَ عامة، لا تختصّ بفرقة أو جماعة، وإنما هي شاملةٌ لكل العالمين[23]: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ»[24]، فهو رحمةٌ لكلِّ العالمين وليس للمسلمين فقط، أو لفرقةٍ أو مذهبٍ خاصٍّ منهم، كما يظن لاهوتُ الفرقة الناجية. إن الحضورَ الواسعَ للرحمة في القرآن ظاهرةٌ تستحق دراسةً دلاليةً عميقةً تستند إلى المكاسبِ الجديدةِ في الألسنيات وعلوم الدلالة والمناهج الجديدة في تفسير النصوص الدينية. ومع كلِّ هذا الحضورِ المهيمنِ للرحمةِ في القرآن، وكونها إطارًا مرجعيًا، نرى بوضوحٍ أن معانيَ القرآن كلَّها تنشد الرحمة، وهو ما أهمله معظم المفسّرين والفقهاء، إذ تغلّبتْ في تاريخِ الإسلام لغةُ العنف على لغةِ الرحمة، وأهدر كثيرون من مفسري القرآنِ وفقهاءِ الإسلام كلَّ هذا الرصيدِ الدلالي المكثَّف للرحمة، وصارت فاعليةُ دلالةِ آيةِ السيف في القرآن[25]، مضافًا إلى ما تتّسع له مصنّفاتُ الحديث من روايات تعضد مضمونَها، هي الأشدَّ أثرًا والأوسعَ حضورًا في القولِ والفعلِ في الحياة السياسية لمجتمعات عالَم الإسلام. من يريد أن يستكشف منطقَ الرحمة فعليه أن يعود إلى القرآن الكريم مباشرة،كي لا يقع في شباك التفسيرات والمرويات المتراكمة، وأن يعتمد القرآنَ مرجعيةً يستكشف في هديها صورةَ الله، ومنطقَ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية التي ينشدها، والدلالاتِ القيميةَ العابرةَ لواقع الجزيرة العربية في زمن النبي (ص). ويقرأ آياته التي تدعو للعنف وما يماثلها في سياق متطلّبات الدعوة الظرفية التي فرضها المحيطُ الاجتماعي والزماني لعصر البعثة. كلُّ بيئةِ تديّنٍ تحتكرُ النجاةَ لفرقةٍ واحدةٍ غيرُ صالحةٍ لاستنباتِ الرحمةِ، لأن اللاهوتَ والفقهَ الصراطي على الضدِّ من منطقِ الرحمة. لقد أضحى صوتُ من يدعو لإيقاظِ الرحمةِ وما يؤول إليها في بيئاتِ التديّن هذه نشازًا أحيانًا، وربما يُتهم بالجبنِ والخوفِ والهوانِ وحتى الخيانة، فيُدان دينيًا ومجتمعيًا. إيمانُ الاستعباد عدوُ الرحمة، الرحمةُ لا تجدُ أرضَها الصالحة لاستنباتها ونموّها إلّا في مناخات إيمان الحرية. وفي أية مجتمعات يطغى صوتُ الأيديولوجيا ينهزم إيمانُ الحرية، وتبعًا لذلك تنحسر الرحمة. الأيديولوجيا لا يمكنها أن تتصالحَ مع إيمانِ الحرية، لأنها لا تنمو وتزدهرُ إلّا في بيئاتِ تديّنٍ يتسيّدُ فيها إيمانُ الاستعباد، وفي مجتمعاتٍ تتحدّثُ معتقداتُها لغةَ اللاهوتِ والفقهِ الصراطي. وعلى الرغم من أن الموقفَ الأخلاقي يفرضُ على الإنسانِ أن يفضحَ منابعَ الكراهيةِ والتعصّبِ بين البشر في تراثِه، مثلما يفضحها في تراثِ غيرِه، ويعترفَ بأخطاءِ تاريخِه مثلما يفضحُ أخطاءَ تاريخِ غيره، غير أن سطوةَ الأيديولوجيا أشدُّ من الأخلاق، لذلك تنهزمُ الأخلاقُ عندما يعلو صوتُ الأيديولوجيا، فيرضخ الأيديولوجي لما يفرضه عليه المعتقدُ من مواقفَ، وإن كانت تلك المواقفُ على الضدِّ من بداهاتِ الأخلاقِ التي يحكمُ بها العقلُ العملي. وهذه واحدةٌ من المشكلاتِ الموروثةِ في مجتمعات عالَم الإسلام، التي تنبغي دراستُها والكشفُ عن العواملِ المولّدة لها والروافدِ الدينية والثقافيةِ والسياسية والاقتصادية الراقدةِ في أعماقِ شخصية الفرد والمجتمع التي تستقي منها. ولا ينجز ذلك إلّا الإفادةُ من المناهجِ الأنثروبولوجية والسوسيولوجية والسيكولوجية والألسنية والسيمائية الحديثة وتوظيفُها في تفسيرِ وتفكيكِ هذه المشكلة المزمنة، والعملُ على الخلاصِ من آثارها التدميرية في مجتمعاتِنا أمس واليوم. إن ضروراتِ الواقعِ المريرِ الذي تغرق فيه هذه المجتمعاتُ تفرض عليها إيقاظَ صوتِ الرحمةِ في القرآن، ووضعَه في نصابِه الحياتي الذي ينبغي أن يحتلَّه في التربيةِ والتعليمِ والعلاقاتِ الأسريةِ والاجتماعية..

Copyright © 2016 Al-Salam House