المانيفيستو ..خطة للإحياء الوطني

افتتحت مؤسسة الحوار الانساني موسمها الثقافي الجديد بمحاضرة للدكتور لؤي الخطيب يوم الاربعاء 31 يناير 2018 ،بعنوان (المانفيستو ..خطة للاحياء الوطني)،والمانيفيستو هو وثيقة ولدت نتيجة ثلاث سنوات من البحث والنقاش توجت بعمل مكثف على مدى العام الماضي 2017. قام بكتابتها البروفسور علي عبد الامير علاوي، بمشاورة وتعاون وثيق من المؤلفين المشاركين، د. عباس كاظم ود. لؤي الخطيب.

الدكتور لؤي الخطيب هو المدير المؤسس لمعهد الطاقة العراقي وزميل في مركز سياسة الطاقة العالمية في جامعة كولومبيا (نيويورك)، وزميل سابق في السياسات الخارجية بمعهد بروكنجز (واشنطن). حصل على شهادة الدكتوراه في السياسة والاقتصاد من جامعة أكستر بالمملكة المتحدة. تجاوزت خبرته عشرين عاماً في إدارة الأعمال ورسم السياسة العامة من خلال شغله لمناصب إدارية واستشارية عليا في مؤسسات دولية وشركات عالمية في مجال الطاقة والبنوك. وهو الآن بصدد إنجاز كتابين، الاول دراسة مقارنة للأنظمة الاتحادية في رسم سياسات الطاقة، والثاني مراجعة مسيرة العراق الاقتصادية في السياسة النفطية بعد عام ٢٠٠٣. ضيف دائم على كبريات وسائل الإعلام للتعليق على قضايا الطاقة والأمن والاقتصاد والسياسة في الشرق الأوسط. نُشِرَت أعماله في الدوريات والصحف العالمية مثل فورن أفيرز ونيويورك تايمز وناشنال إنترست وهافنغتون بوست وبتروليوم-إيكونومست وبروكنجز وهارفرد وكولومبيا وغيرها.

وقد ابتدأ د. الخطيب محاضرته بتبيان ماهية المانيفيستو وليات العمل التي انتجته فقال؛هذا المانيفيستو نتيجة ثلاث سنوات من البحث والنقاش توجت بعمل مكثف على مدى العام 2017. قام مؤلفه، البروفسور علي علاوي، بمشاورة وتعاون وثيق معنا نحن المؤلفين المشاركين،انا والدكتور عباس كاظم ، بالاتصال والتباحث والنقاش مع قطاعات واسعة من المهتمين بالشأن العراقي وعقدنا سلسلة اجتماعات جادّة وورش عمل وجلسات استشارية مع أشخاص ومجموعات متنوعة داخل وخارج العراق. كان من بين هؤلاء رجال دولة ودبلوماسيون وساسة، وموظفون كبار، ومشرّعون ومتخصصون، وأكاديميون ومفكرون، وأساتذة وطلاب، ورجال و سيدات أعمال ومصرفيون، وكتاب ومبدعون، ورجال دين وقادة مجتمع، وأصحاب مهن وناشطون ونقابيون، وضباط وقضاة، ينحدرون من كل الخلفيات العراقية وتوحدهم رغبة جارفة لرؤية بلدنا يسير على الخط الصحيح وبالاتجاه المطلوب، نحو السلم والأمن والرفاه والعدالة.  يرفضون سياسات الانقسام ونعت أيّ من فئات مجتمعنا بصفة العدوّ. لقد اتفق جميع الذين شملهم النقاش على أهمية طرح مشروع متكامل للإصلاح والتغيير في العراق وضرورة طرحه حالاً.

وإننا نثمن ونشكر جميع الملاحظات والأفكار التي تفضل بتقديمها جميع الذين خصصوا جزءاً من وقتهم وطاقتهم لأجل المساعدة في صياغة هذا المانيفيستو بمراحل كتابته العديدة.كما نمد أيدينا إلى جميع الذين يريدون أن يقلبوا صفحة الماضي ويسيروا نحو مستقبل أفضل. لا نهمل معاناة الماضي وآلامه، ولكن لا نريد أن نتقوقع فيه، لأننا مطالبون بالمضيّ قُدماً وعيوننا تنظر إلى المستقبل. يجب أن نسمو فوق مرارة الماضي من خلال خطة عمل مشتركة تكون سماتها التفاؤل والطموح وإمكانية التحقيق.


تمهيد

بعد مرور خمسةَ عشرَ عاماً على غزو واحتلال العراق، يواجه البلدُ الآن اختباراً حاسماً لإثبات قدرتهِ على البقاء.  لقد هُـزم داعش بفضل شجاعة وبطولات جميع القوات المنضوية تحت علم العراق، ومقاومة السكان والعشائر، وبفعل شجاعة وتحدي الأفراد والعوائل لتوحش داعش. لكنّه كان نصراً مكلفاً ترك خلفَه عشراتِ الآلاف من القتلى والجرحى، وملايينَ النازحين، الذين يعانون من العيش في ظروف وحشية القسوة، وخراباً عظيماً في المدن والقرى. لقد مكن لهذه المرحلة المفزعة والمأساوية من تاريخنا ليس سوء الإدارة المريع والفساد الهائل اللذينِ كانا ولا يزالان متأصلَينِ في العراق منذ 2003 فحسب، بل تعود جذوره إلى مراحل أبعدَ من ذلك في عهود حكم الطغاة والدكتاتوريات التي رسمتْ مسيرة العقود السابقة.

بقي العراق في أزمة دائمة على مدى أكثر من خمسينَ عاماً عانينا فيها من الانقلابات والحروب والصراعات الداخلية والقتل الجماعي وتعرضنا للحصار والعزلة والغزو والاحتلال وما تبعهما من الهجمات الانتحارية والتفجيرات والتهجير. لقد وجهت جميع أنواع العنف إلى المجتمع بلا هوادة. لم يتمكن أيّ مجتمع من قبل من البقاء بعد أن تعرض إلى هذا الإرث من العنف. تعرض شعبنا إلى شتى أنواع العدوان، وخُربتْ أرضُنا ودُمرتْ مدنُنا وقرانا وتشظّى اقتصاُدنا وجففتْ أنهارُنا ولوّثتْ مياهُنا وأهدرتْ ثرواتُنا الطبيعية ودمّر إرثُنا التاريخيّ والحضاريّ وأهينتْ مقدساتُنا الدينية. أجيال من شبابنا حُكم عليها بالبطالة أو الأعمال غير اللائقة أو تلك التي لا مستقبلَ فيها، يتزاحمونَ في دوائرَ حكوميةٍ تعجّ بالبطالة المقنّعة. حكوماتنا أصبحتْ مصداقاً للضعف وانعدام الكفاءة والكذب والفساد، يقوم عليها أناسٌ غير مؤهلينَ ولا يتمكن من مساءلتِهم أحد. تُنفَق المليارات على مشاريعَ لا تُنفّـذ، أو تنفّـذ بشكل رديء، أو تُترك غيرَ مكتملة. البرامج الاجتماعية التي يراد منها مساعدةُ الفقراء تُنهب بشكل منهجيّ منظم، وعقود شراء الأسلحة تشوبها أعمال الفساد والسمسرةِ والرشوة، أما الخدمات الحكومية في قطاعات الكهرباء والتعليم والصحة والبنى التحتية فتكاد لا تذكر، في حين يتعذر على العراقيين السكن اللائق ويعاني شعبنا من نقص حادّ في عدد المساكن، وهو الأمر الذي أدى إلى انتشار المساكن العشوائية والتجاوز على الأراضي العامة وبناء البيوت غير المرخصة التي لا تتوفر فيها أبسط شروط السلامة والأمان. بيئتُنا في خطر والتصحّر يتّسع بلا رحمة.

تسود في العراق الفوضى السياسية والتشظّي، في حين أصبح الاعتداء على الناس والجشع والعنف وغياب الأخلاق وانعدام الوفاء صفاتٍ سائدةً في سياستنا التي هبطتْ إلى مستوى جعلها مهنةً غير محترمة يحتقرها شعبُنا. قنوات البثّ الإعلامي ومواقع التواصل الاجتماعي تملؤها الأكاذيب وحملات التسقيط، والأحزاب السياسية قد أصبحت وسائلَ لتفخيم الأفراد والعائلات. أحزاب أخرى خذلتْ المبادئ التي تأسستْ عليها من أجل الثراء والسلطة. غالبية الأحزاب اليوم ليست سوى ماكناتٍ لتوزيع الهباتِ والمحسوبية التي أغرقتْ البلد بجيوش من غير الأكفاء. أما الجهات المعارضة لفوضى ما بعد 2003 فإن غالبيتها تتخفى خلف قناع خطاب المقاومة، لكنها في الحقيقة تلتزم نهج العنف والقتل وتسعى إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، رافضةً أن تعترف بدورها في سقوط البلد. ومع أنّ التدخّل الخارجيّ في شؤون البلد كان ولا يزال علنياً، لكنّ التواطؤَ المكشوفَ والمقرفَ من قبل قادتنا السياسيين هو أسوأ ما في هذا التدخل. لقد أصبحتْ عواصم الدول القريبة من العراق مراتعَ لاجتماع الذين يحكمون بلدنا، أو الذين حكموه سابقاً، أو الذين يريدون أن يحكموه.  وبعيداً عن العراق تتآمر الدول العظمى ودول المنطقة، أو تتمنى أن تضع وسم امتلاكها للعراق. لا يزال مستقبلُنا يناقَش في مؤتمراتٍ عالميةٍ في أماكنَ بعيدةٍ عنا، في حين يظلّ اقتصادُنا رهناً بأيدي الجهات الدائنة والمؤسسات المصرفية العالمية.

لا يزال علماؤنا وخيرة مفكرينا بين مستهدفين بالاغتيال أو مطرودين الى المنافي، وثقافتنا عقيمة وكثير من فنانينا الموهوبين وكتابنا في منافي فرضوها على أنفسهم أو في عزلة فرضها القرف واليأس. وثمّةَ آخرون من النخبة لا يُغفر لهم أنهم أضافوا المزيد إلى كمّ الكراهية المسمومة التي تكاد تدمر قدرتنا على التعايش ككيان متجانس. هؤلاء الذي يدّعون كونَهم مفكرين قد عملوا بلا هوادة من أجل تدمير وسائل التفاهم بين مكونات شعبنا. فهم، وإن ادّعوا السعي إلى تصحيح الأخطاء، قد شوهوا واختزلوا وأضعفوا المبادئ التي كانوا يوماً ما يمثلونها. لقد حولوا القصص المؤلمة عن الظلم والتمييز إلى أدوات للمصالح الأنانية الخاصة بمجموعة سياسية أو اجتماعية دون غيرها. لقد شُوهتْ تلك المراحل من تاريخنا المشترك واستُغلتْ من قبل أناس عديمي النزاهة في سعيهم المحموم من أجل الانتفاع والسلطة.

تنوعنا الإنساني جرى تقويضُه إذْ حَجبتْ أنظمة ما قبل العام 2003 الجنسيةَ المستحقة عن مئات الآلاف من الناس وسفّرتْ فئاتٍ كاملةً من العراقيين على أسس واهية ودفعتْ بالملايين إلى المنافي، وقُتلتْ أعداد كبيرة من الناس دون تمييز ومُلئتْ المقابر الجماعية بأجساد مئات آلاف الأبرياء.

يستمرّ نظام ما بعد 2003 بالقيام على الكراهية المجتمعية وتهميش مجاميعَ كاملةٍ من الشعب، في حين لا تزال الأعمال الشنيعة التي كانت الدولة ترتكبها تُرتكب اليوم من قبل مجاميعَ غيرِ مرتبطة بالدولة، وإرهابيين، وعصابات الجريمة المنظمة، ومجاميعَ عسكريةٍ خارجةٍ عن سيطرة الدولة. لا تزال ثمّةَ أعداد غير مقبولة يُدفع بها إلى الخارج أو تحاول الخروجَ من البلد.  الأقليات والشباب وأعداد كبيرة أخرى ممن يرون أنّ الدولةَ ومؤسساتِها منحازةٌ ضدَّهم لا يرون لأنفسهم مستقبلاً في البلد. أما ملايين العراقيين في الخارج، وهم ثروة هامة لإعادة إعمار البلد، فقد جرى تجاهلُهم تماماً، تراهم يشاهدون هذه الدراما تدور أمامهم وهم في قلق وتوجس.

لقد وقف أكثر مراجع الدين بشجاعة ضدّ مدّ الفوضى والعنف ودعوا إلى الاعتدال وضبط النفس والوحدة وتغليب العقل، لكنّ أصواتهم ضاعت غالباً في صخب أجندات مختلفة يشيطن كل منها الآخر وتحاول أن توظّف الإحساسَ العامّ بالمظلومية إلى إجازة للمصادرة والقتل، فحرّفتْ تعاليم الدين إلى ضدّها، وكانت النتائج كارثية في حين اختُلقتْ تبريرات دينية للإبادة والعنف المتطرف والوحشية وتقسيم المجتمع وكثير من أنماط السلوك الكريهة الأخرى. لا يتوقّع لهذا الأمر من نتائج سوى عزوف الناس عن الدين وفقدان قيمنا الأخلاقية.

يجب أن ينتهي هذا الظرف

لقد حرم شعبنا من الأمل بحياة كريمة وأهدرت طاقاته وإمكانات تقدمه وخفض سقف مستقبل أبنائه بسبب نظام حكم وحشي. هذا الأمر غير مقبول من قبل أبناء هذه الأرض الموغلة في الإرث الحضاري.  يستحق شعبنا مستقبلاً أفضل، ويجب أن يناله.

إننا نستقبل الآن انتخابات مفصلية وهامة جداً لاختيار مجلس وطني ومجالس محلية في المحافظات، لا يمكن أن نرى فرصة أهم وأفضل لاتخاذ القرار الصحيح.  يجب أن نسأل أنفسنا بصراحة عمّن نكون وإلى أين نتجه. هل نحن شعب واحد أم شعوب عديدة؟ هل سنستمر في انتخاب أولئك الذين وضعوا مصالحهم الخاصة ومصالح أحزابهم قبل واجباتهم المدنية والوطنية؟ هل سنسمح لساستنا ورموز حكومتنا الكبار باستغلال أقنعة الاختلافات والخلافات الطائفية والعرقية للتغطية على فسادهم وانعدام كفاءتهم؟ هل نستطيع أن ندع مستقبلنا ومستقبل أبنائنا وأحفادنا ليكون رهناً لدى مجاميع وأحزاب سياسية لا تخدم إلا مصالحها، وغالباً ما تعمل ضمن إطار أجندات أجنبية؟ هل ستستمر مؤسساتنا الحكومية، الضعيفة أصلاً، في التدهور بسبب سلوك وتخبط عدد قليل من الأفراد والمصالح الضيقة؟  هل سندع ثرواتنا الطبيعية، خصوصاً الثروات الهايدروكاربونية، تهدر وتسرق في حين أن القنبلة الموقوتة لانتهاء عصر النفط تدق؟ هل لدى الأشخاص الذين في السلطة، أو الذين يحلمون بها، حد أدنى من الاطلاع على كيفية الخروج من المشاكل التي تحيط ببلدنا وشعبنا، باستثناء ما لديهم من ادعاءات فارغة ووعود كاذبة؟

لذلك تكاتفنا، انطلاقاً من حرصنا على مستقبل البلد والوجهة التي يسير إليها، من أجل أن نوضح مبادئَ وأهدافاً تضع العراق على طريق جديد تماماً.

السلام، الاستقرار، الأمن، الرفاه

هذا الإعلان هو خارطة طريق لمعالجة المصاعب التي نواجهها، وتقديم رؤية لمستقبل بلدنا في السنوات العشر القادمة، رؤية تليق بالشعب العظيم الذي يعيش على هذه الأرض وتقدم طريقاً واضحاً نحو الأمن والرفاه لأبنائنا وأحفادنا. إنها رؤية نحو تأسيس حكومة فاعلة تستجيب لحاجات الشعب وتكون مسؤولة أمامه. هي رؤية نحو النمو والشراكة والأخوة والعدالة وتوفير الفرص، رؤية لعراق موحد بقيم مشتركة ويترك وراءه أسباب الانقسام والصراع القديم. هي رؤية لعراق مستقل فخور بتعدديته يكون مركزاً للأمن والسلام في الشرق الأوسط، عراق يكون شريكاً بناءً للمجتمع الدولي. هي رؤية لمجتمع يعيش بعيداً عن الإهانة التي تسببها البطالة والفقر والأمية ومساوئ الحكم والحياة في بيئة مسلوبة الأمن والحقوق والحريات. هي رؤية لشعب يعيش بكرامة.

هذا المانيفيستو هو خطة للإحياء الوطني

نعتقد أن مشاكل العراق الكبرى تنبع من الفقر وسوء استخدام السلطة وتهدم قيمنا الفردية والاجتماعية. لا يمكن لمجتمع أن ينمو إذا سمح لأسس السلوك الإنساني أن تتدهور، فالثقة والنزاهة والصراحة والعدل صفات غاية في الأهمية وضرورات لوجود كيان سياسي سليم ومجتمع فاعل. في نهاية المطاف، هذه الصفات هي صفات أخلاقية، ولا بدّ لنا من إعادة إحياء الجذور الأخلاقية لمجتمعنا، كما يجب أن نستحضر تراث العراق الغني والعميق في تدينه وإنسانيته لهذه الغاية، فلا يمكن أن يجري إحياء الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من دون البدء بالإحياء الأخلاقي. هذا ما سينعكس من خلال نوعية قيادتنا وفي نوعية مؤسساتنا.

ما هي رؤيتنا؟

نبدأ بالوحدات الأساسية لبناء مجتمعنا: الفرد والأسرة والمجتمع الذي تتكون منه مناطقنا ومدننا وقرانا.  نحترم جميع الهويات والولاءات الأخرى لشعبنا كالعشيرة والقومية والديانة والطائفة والمعتقد الفكري، ولكن اهتمامنا ينصبّ على الإنسان بأبسط مستويات إنسانيته، فالإنسان في بلدنا هو الذي يُضحى به دائماً على مذبح الأجندات الكبرى، وهو الذي يدفع الثمن غالياً بسبب التجارب الفاشلة في الماضي والحاضر فيقتل أو يترك بلا مأوى وبلا عمل ويعاني من أجل أبسط أنواع الحياة الكريمة.

نسعى إلى تحقيق السلام في بلد لا يتفشى فيه العنف وغياب سلطة القانون.

نسعى إلى تحقيق الرفاه في بلد تتوفر فيه الفرص الاقتصادية ويُحكم بشكل صحيح من خلال سياسات اقتصادية واجتماعية فاعلة.

في السنوات العشرين القادمة، أو ما يعادل جيلاً واحداً، تسعى رؤيتنا هذه إلى أن يرتقي العراق إلى مصاف الدول المتطورة. يجب أن نطمح إلى أن نكون دولة متطورة على طريقتنا من خلال الاستفادة من معايير الدول المتقدمة دون أن نستنسخها بالضرورة. يجب أن تتضمن مسيرة تطورنا جميع الأبعاد الممكنة للحياة: الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والروحية والنفسية والثقافية. ويجب أن نكون بلداً تام التطور من حيث الوحدة الوطنية والتجانس الاجتماعي ومن حيث الاقتصاد والعدالة الاجتماعية والاستقرار السياسي ونظام الدولة ومستوى المعيشة ومن حيث القيم الروحية والشعور الوطني والثقة. ولا بدّ من أن يكون دستورنا ونظامنا السياسي مصادر للاستقرار والمرونة والقدرة على الاستمرار، ويكون مجتمعنا مؤسساً على القواعد الأخلاقية التي توارثناها، ويجب أن نقوي ديمقراطيتنا ونتبنى القيم المتأصلة في ثقافتنا الدينية والأخلاقية: قيم الانفتاح والتسامح والتعاطف وتأسيس نظام اقتصادي واجتماعي عادل. يجب أن يكون اقتصادنا فاعلاً ومتنوعاً ومنافساً ومستقراً، ويجب أن يُخَرِج نظامنا التعليمي أجيالاً متنورة مندفعة ومبدعة، ويجب أن يقدم نظامنا الصحي كل ما يحتاجه المجتمع القوي السليم.

التحديات العشرون

نحن ندرك أنّ الإرهاب لم يهزم تماماً بجميع أنواعه، فالإرهاب هو أكثر من مجرد تحدّ، بل هو تهديد لوجود العراق ولا يمكننا أبداً أن نتراخى في مواجهته. ما لم نتمكن من السيطرة على الإرهاب وهزيمته تماماً لا يمكن لنا أن نكون جادين في طرح رؤيتنا لمستقبل العراق.

كما ندرك أن القوات الأمنية يجب أن تسلح من جديد ويعاد تشكيلها لتتمكن من الاستمرار في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية. لكن قتال الإرهاب لا يمكن أن يكون عذراً لوجود حكومة ضعيفة وفاسدة، ولا يمكن أن يستخدم لتبرير عسكرة المجتمع وإخضاع مجتمعات ومكونات عراقية معينة وشيطنتها. فنحن نؤمن بأن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تكون عملية عسكرية فحسب، لأن داعش اكتسحت ثلث مساحة العراق، ليس بسبب قدراتها العسكرية أو تفوقها في التنظيم والتسليح، بل لأن القوات العسكرية التي واجهتها في البدء لم تكن تحت توجيهات صحيحة ولم تكن مندفعة للقتال ولم تكن قيادتها الميدانية في المستوى المطلوب وكانت تفتقد الحرفية والعقيدة العسكرية لمواجهة عدو عقائدي. لقد كانت قواتنا الأمنية أكثر عددا من داعش وكان تسليحها ومعداتها أفضل بكثير، فقد أنفقت مليارات الدولارات على هذه القوات منذ العام 2003. يجب أن تؤخذ الدروس من هذه الكارثة ويجب أن يحاسب المسؤولون على التسبب فيها، سواء كانت مسؤوليتهم مباشرة أو غير مباشرة. لقد نجحت داعش والمجاميع الارهابية أيضاً، لأن فئات عراقية ومناطق هامة لم تكن على وئام مع الحكومة الاتحادية فجرى استدراجهم إلى تأييد داعش بعقائد ووعود مزيفة، لم يعرف زيفها إلا بعد فوات الأوان.

لقد أعطيت تشكيلات المقاتلين الذين تطوعوا للدفاع عن العراق ضد داعش صفة رسمية تقريباً، وهذا قرار سليم ومرحّب به، لأنهم يستحقون التكريم والإشادة على دورهم الأساس في الحرب على الإرهاب. لكن مهمتهم المستقبلية يجب أن تعرّف بوضوح، كما يجب أن تكون قيادتهم شفافة وتكون عقيدتهم العسكرية محددة. نحن نرى أن يكونوا قوة دائمة للتصدي لتهديد الإرهاب ولتدريب القوات المحلية وتقديم الدعم الاستشاري لها.

يجب أن ينتهي شر الإرهاب، وهذه ضرورة وطنية لا محل للمساومة والتأويل فيها. ومع ذلك فإننا لا نزال نواجه تحديات عظيمة واختبارات صعبة لتحقيق رؤيتنا. وهذه التحديات قد تراكمت منذ أن أصبح العراق دولة في العام 1920.

التحدي الأول هو تحديد نوع الدولة والأمة التي نأمل في أن نكون. لقد جرب العراق أشكالاً متعددة من الأنظمة والهويات التي حددت توجه الدولة، لم يصمد أيّ منها لاختبار الزمن. فقد كانت لنا ثمانية أعلام منذ تأسيس الدولة في 1920، وخمسة أعياد وطنية. أما الموازنة بين مركزية الحكم والمشاركة في السلطات بين العاصمة والمحافظات، وبين الإقليم الذي يتمتع بحكم ذاتي والمركز، وبين الفيدرالية والكونفيدرالية، فلم تتحقق. لا يزال المأزق ماثلاً أمامنا في اختيار كون العراق شعباً واحداً أو شعوباً متعددة، ودولة واحدة أو خليطاً غير مستقر من ثلاثة مكونات رئيسية، ولا يزال الاختلاف عليه حاداً ودون بوادر حل في الأفق المنظور. لكن الرؤية النهائية، على أي حال، يجب أن تكون لدولة تتمتع بالسلم الأهلي، موحدة الأرض، تكون فيها شراكة تامة وعادلة بين جميع مواطنيها. هذا الأمر يتطلب بالضرورة أن يعترف جميع المواطنين بأن ولاءهم الأخير هو لهذه الدولة.  يجب أن نستوعب أنْ لا يكون ثمة انتماء قومي أو عرقي أو ديني أو فكري يتمكن من فرض نفسه من جانب واحد على البلد دون أن يتسبب ذلك في ضرر عظيم لرفاه وأمن المواطنين الآخرين الذين لا يشتركون في هذا الإنتماء.

التحدي الثاني هو تدهور المؤسسات الرسمية وأليات العمل الحكومي، فقد بنت الدولة قابلياتها على مدى نصف قرن بعد تشكيل الدولة العراقية الحديثة، ولكن هذه القابليات جرى تشويهها بعد فرض نظام شمولي اختص فيه حزب واحد مع جهازه الأمني والعسكري بكل الامتيازات. ثم تسارع بعد ذلك تدهور الدولة خلال فترة الحصار الاقتصادي واشتدّت سرعة هذا التدهور بشكل أكبر في مرحلة ما بعد العام 2003، فأصبحت لدينا الآن فجوة هائلة بين قدرات الحكومة ومتطلبات نشوء الدولة الحديثة الفاعلة. أنظمتنا الحكومية وسياقات عملها قديمة، وإداراتنا وكوادرها عديمة الكفاءة بشكل كبير في حين هجر العراق معظم أصحاب الكفاءات والمهارات في جميع أشكالها.

التحدي الثالث هو تكوين هوية وطنية ووعي وطني يتجاوزان بالعراق والعراقيين الخلافات السياسة والصراعات العرقية والطائفية. هذا الوعي والهوية الوطنية سيتجاوزان الإحساس بالانتماءات الضيقة للقبيلة والطائفة والجماعة القومية، ولكن دون إلغاء هذه الانتماءات أو تهميشها. هذه الهوية تؤسس على التراث المشترك للعراقيين وذاكرتهم التي شكلتها الحضارات التي نشأت على أرض الرافدين. إن التنوع الإيجابي والتعددية لبلدنا يمكن أن يتحولا إلى أدوات للتفرقة والصراع واستغلال الجهات الخارجية لها ما لم تتوفر للعراقيين هوية وطنية مشتركة. لقد اعتمدت الدولة العراقية لمدى طويل على أجندات وفرت الامتيازات المطلقة لهويات معينة تمتد إلى خارج حدود العراق في حين أضعفت أواصر الولاء للعراق وقوضت تجانسه الاجتماعي.

التحدي الرابع هو إعادة بناء مجتمعنا بعد عقود من المعاناة والعنف ووضعه على طريق التسامح وحسن الجوار وطيّ صفحة الماضي والثقة والاحترام المتبادل. لا ننكر أن التفكك الاجتماعي والتكتلات الطائفية والقومية قد بلغت مراحل متقدمة في مجتمعنا، ولكن يجب أن نتغلب عليها من خلال الجهد المكثف واستحداث برنامج وطني يتجه بثبات نحو المستقبل. لقد توترت حياة عوائلنا كثيراً بسبب العدد الهائل من الأرامل والأيتام والجرحى والمعاقين الذين يعانون من الأزمات النفسية. النساء، وهن نصف مجتمعنا، لم يزلن يعانين من المعاملة غير المتكافئة على الرغم من وجود الضمانات الدستورية. لقد عانين من درجات غير مقبولة من التمييز والعنف وهن اليوم يفتقدن إلى الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. الأقليات في مجتمعنا لا تزال تفتقر إلى الحقوق أيضاً، إذ يجري تهميش أفرادها واستهدافهم في حين لا تزال مواطنتهم موضع جدل واعتراض حيث أنّ عدداً كبيراً منهم غادر العراق بشكل نهائي مما أدى إلى أن تصبح الأقليات العرقية والدينية في العراق مهددة بخطر الزوال التام.

التحدي الخامس هو خلق ثقافة سياسية جديدة تمد جذورها في العادات والممارسات الديمقراطية والأخلاقيات والقيم والمقاييس المتأصلة في عاداتنا ومعتقداتنا وموروثنا الروحي العراقي. إن الديمقراطية هي سيادة القانون والعدالة في تعامل الدولة مع المواطنين وخضوع الطبقات السياسية والإدارية للرقابة والمساءلة وعدم انحياز القضاء والإسراع في إجراءات تطبيق العدالة والانتخابات الشفافة والحرة ووجود وسائل الإعلام المسؤولة والمهنية.  الديمقراطية هي أيضاً التوازن بين سلطات الدولة والسلطات الأخرى التي تقابلها وتعادلها، خصوصا تلك السلطات التي يتمتع بها المجتمع المدني، وعادات وسلوك الأفراد والجماعات.  وحين تسعى تلك السلطات التي تقابل سلطة الدولة إلى تغليب الاعتدال والمساواة وقبول الآراء المخالفة، تتقلص حينذاك ميول الدولة نحو السلطوية وتعتدل في الاتجاه الصحيح.

التحدي السادس هو تقليص ومن ثمّ إنهاء مستويات العنف المأساوية التي يواجهها شعبنا. إن وجود كمّ هائل من الأسلحة الفتاكة في أيدي مجموعات وأفراد من كافة الخلفيات الاجتماعية هو أمر غير مقبول في أي مجتمع سليم ومنظم يعتمد سيادة القانون. يجب أن يقضى على تمجيد العنف والتفاخر باستخدام القوة في الثقافة العامة لمجتمعنا ويجب أن تتوقف ثقافة حمل السلاح للحمايات الشخصية واستعراض الهيبة بالقوة. رؤيتنا تؤكد على عراق يكون فيه حمل السلاح وامتلاكه حقاً حصرياً للدولة وأجهزتها الشرعية التي تكون مسؤولة أمام المؤسسات السياسية المنتخبة. إن نزع السلاح واستعادته من الأفراد والمجموعات المسلحة جزء أساس من رؤيتنا لعراق مستقر وآمن.

التحدي السابع هو إصلاح النظام القضائي، إذ يجب أن توفر انسيابية للإجراءات القضائية التي أرهقها تراكم القوانين والتعليمات على مدى العقود الماضية والتي تساهم في انعدام كفاءة الحكومة وتساعد في قوة تأثير السلطة التنفيذية وضعف الرقابة عليها وعلى العمل القضائي. لا ينبغي للقضاة الذين يشرفون على النظام القضائي أن يكونوا مدربين بشكل صحيح ويمتلكون الكفاءة فحسب، وإنما يجب أن تتمثل فيهم حقيقة سيادة القانون. يجب أن يكون للعراق نظام قضائي يليق بدولة راقية وشعب متطور يحترم القانون. أن القضاء النزيه والفاعل هو الذي سيقف في المقدمة للتصدي لمستويات الفساد البشعة وسوء استغلال السلطة ويضمن تطبيق القانون على الجميع.

التحدي الثامن هو تكوين مجتمع مرفّه يكون اقتصاده منافساً وفاعلاً ورصيناً ومستقراً. تتلخص رؤيتنا في اقتصاد متوازن يبتعد عن الاعتماد الكامل على عائدات المنتجات البترولية، بل يكون اقتصاداً يتميز بقطاع خاص قوي وماهر، ويرتبط بالاقتصاد الإقليمي والعالمي وينفتح على اقتصاديات التجارة والاستثمار العالمية. رؤيتنا في هذا الصدد تتركز على اقتصاد يعتمد على الموارد البشرية العراقية تتوفر فيه قوة عمل عالية التعليم والتدريب والمهارة وتتمتع بانضباط تسنده أخلاق مهنية عالية، ويتمكن من اللحاق بآخر تطورات التكنولوجيا وأساليب إدارة عناصر الإنتاج. يجب علينا أن نربط تطور العلم والتكنولوجيا في العالم مع نسيج المجتمع العراقي واقتصاده ونظامه الحكومي. رؤيتنا تعتمد عراقاً لن يكون مستهلكاً للعلم والتكنولوجيا، بل موظفاً إياها في خدمة مواطنيه من أجل رفاهيتهم وضمان حقوقهم وتوسعة قدرتهم على الاختيار في ما يستهلكون ويقتنون.

التحدي التاسع هو القضاء على الفساد الذي أصبح أمراً يهدد بقاء الأمة والدولة في العراق. لقد ذهب الفساد إلى مديات أبعد من العواقب الاقتصادية في تشويه المعاملات المالية ورفع كلفتها، بل تسرب إلى الجسد السياسي العراقي ليسممه ويحرف نزاهة النظام السياسي والأنظمة الاجتماعية ويقوض بنيتها الأساسية، ويدمر نوعية العلاقات الإنسانية في المجتمع. وما لم يسيطر عليه، فإنّ الفساد سيدمر في نهاية الأمر الرؤية المستقبلية لإحياء البلد.

التحدي العاشر هو تأسيس مجتمع تسود فيه العدالة الاقتصادية، مجتمع تتوزع فيه الثروة القومية بعدالة وتتوفر فيه شراكة تامة في التقدم الاقتصادي. إذ لا يمكن للرؤية الوطنية أن تتحقق إذا كانت شرائح كاملة من المجتمع لا تتمتع بجزء من ثمار النمو الاقتصادي أو إذا كانت منافع إحياء البلد تذهب إلى القلة القليلة. يجب أن يوضع حد لوجود قطاع منتفع وآخر محروم، وأن تنتهي حالة ضمان العمل في القطاع العام وضبابية مستقبل العمل وامتيازاته في القطاع الخاص. لا بدّ لطبقتنا المتوسطة، التي كادت الحروب والحصار الاقتصادي أن تقضي عليها، من أن تدعم وتحتضن لتمارس دورها الأساس في خلق التوازن المجتمعي والنهوض بالبلد.

التحدي الحادي عشر يتمثل في إيجاد التوازن بين مسؤوليات الدولة ومسؤوليات الفرد والأسرة والمجتمع المدني. لا يمكن لقواعد المجتمع المتكافل أن تسند إلى الدولة أو إلى الفرد.  يجب على العراقيين أن يتوقفوا عن التفكير في كون الدولة هي المصدر الوحيد لخلق فرص العمل والضمان الاجتماعي والامتيازات، أو أنها المصدر الأساس في ذلك. إذ لا يمكن للضمان الاجتماعي أن يعتمد تماماً على قدرة الدولة وحدها، بل يجب أيضاَ أن تساهم في توفيره جهود الأفراد وأن يبنى على التماسك الأسري، وبعد ذلك كله، على جهود مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التطوعية والتعاونية. رؤيتنا في هذا الأمر تعتمد على إيجاد مؤسسات أساسية فاعلة تقدم الخدمات وتساهم في توفير الضمان الاجتماعي، فلا يعتمد توفير الخدمات الاجتماعية على الحكومة وحدها دون مساهمة الجهات المدنية المختلفة.

التحدي الثاني عشر هو إعادة الحياة إلى مدننا ومحافظاتنا. رؤيتنا في هذا الصدد تعتمد على خلق مدن نشطة تعمل على دفع حركة التغيير الاقتصادي وخلق الفرص للجميع وتكون أساساً للعراق الجديد. يجب أن تستعيد مدن العراق التاريخية دورها المحوري في الحياة الاقتصادية والثقافية والروحية لمجتمعنا وتعمل كقاعدة لربط العراق بدول الجوار. يمكن لمدننا أن تستعيد دورها التاريخي لنقاط وصل للتجارة البرية والبحرية عبر شبكات التجارة الإقليمية والدولية بصورة تتلاءم مع متطلبات القرن الحادي والعشرين وتربط آسيا مع أوربا والشرق الأوسط.

التحدي الثالث عشر هو إعادة أهمية القطاع الزراعي العراقي وقدرته على الإنتاج وإدارة مواردنا المائية الشحيحة بكفاءة. لا يفترض بالقطاع الريفي أن يقدم مستوى معيشة مناسبة للعاملين في الزراعة فحسب، بل يجب أن يلعب دوره المطلوب في مجال إنتاج الطعام والأمن الغذائي. إن الاقتصاد الريفي القوي يشكل أساساً صلباً لنمو وتطور قطاع الأعمال الزراعية وقطاع الصناعات الغذائية ويوفر الاستقرار للمجتمع الريفي ويعكس الهجرة من الريف إلى المدن.

التحدي الرابع عشر يتمثل في إدارة النمو السكاني في العراق، إذ يمكن لثمار التغيير الاقتصادي والنمو أن ترتقي بنموّ سكاني خارج السيطرة. يزداد عدد سكان العراق في الوقت الحاضر بدرجة مثيرة للقلق، ويمكن أن يشكل هذا الأمر ضغطاً كبيراً على تطور الاقتصاد وحماية البيئة الطبيعية والصناعية، ففي حين يكون ارتفاع عدد شبابنا حالياً عاملاً مساعداً على النمو الاقتصادي السريع، يجب علينا أن ندفع بالهرم السكاني إلى شكل طبيعي وقابل للاستمرار والاستقرار على المدى البعيد. لذلك تتمثل رؤيتنا في خلق بلد تتوازن فيه متطلبات الاقتصاد ومتطلبات المجتمع السليم وضرورات توازن وأمان العائلة.

التحدي الخامس عشر هو حشد شبابنا في بناء الدولة. العراق بلد يشكل الشباب الغالبية العظمى من شعبه، وقد مرّ شبابنا بفترات عصيبة من العنف والصعاب، وشبّ معظمهم دون أن يتعايشوا أو يعرفوا الكثير عن غيرهم من شباب بلدهم الذين ينتمون إلى خلفيات اجتماعية وقومية ومناطقية مختلفة. لقد سيطر الملل والقلق واليأس على كثير من الشباب وهو الأمر الذي أدى إلى انتشار تعاطي المخدرات والجريمة وجنوح الأحداث. ومن أجل مواجهة هذا التحدي ندعو إلى الشروع في برنامج خدمة مدنية وطني واتخاذ الخطوات اللازمة للحد من هذه الظواهر من خلال إشراك الشباب في فعاليات مصممة بكفاءة وحرفية تتضمن التأكيد على خدمة المجتمع وإعادة البناء.

التحدي السادس عشر هو تحدي استعادة السيادة التامة على أرضنا وثرواتنا الطبيعية. رؤيتنا تتمثل في عراق لا يخضع للتدخل المباشر أو غير المباشر في شؤونه الداخلية من قبل القوى الخارجية. ومن أجل ذلك، يجب أن يتبع العراق سياسة يسير على "الاتجاهات الأربعة للبوصلة". سنسعى للحصول على الدعم الكامل والتعاون التام من قبل جميع دول الجوار الذين تشير إليهم الاتجاهات الأربعة للبوصلة وكذلك دعم وتعاون بقية دول المنطقة والقوى العالمية خارج جوارنا المباشر. ولتحقيق ذلك يجب أن تكون لنا سياسة خارجية تتناسب وهذا الهدف وتؤسس ستراتيجياً لجعله واقعاً. يجب أن يكون دبلوماسيونا وإدارة علاقاتنا الخارجية تحت قيادات خبيرة وعالية الكفاءة وأن يتمكنوا من تنفيذ هذه السياسة الطموحة. لقد عانت دبلوماسيتنا من عثرات كبيرة على الصعيدين الإقليمي والخارجي واتصفت بانعدام الكفاءة وغياب الرصانة والشفافية، في حين تزدحم إداراتنا ومؤسساتنا الدبلوماسية اليوم بدبلوماسيين أغرار غير مؤهلين أو مدربين بشكل مناسب، وقد عيّن معظمهم وفقاً للانتماءات الحزبية والقرابة الشخصية مع ساسة ومتنفذين في الدولة والمجتمع. سفاراتنا اليوم موضع تندر واستهزاء الجميع، في أغلب الأحيان، إذ يكاد بعضها لا يتمكن من تقديم أدنى المهمات الدبلوماسية والخدمات للمواطنين العراقيين في الخارج، وكثير من موظفي السفارات، خصوصاً في العواصم الكبرى، لا يمتلكون المهارات اللغوية فضلاً عن المهارات الدبلوماسية.

التحدي السابع عشر هو تشكيل منظومة أمنية ودفاعية واقتصادية لدول منطقة الشرق الأوسط وما وراء ذلك في منظومة الدول الإسلامية. لقد أثبتت المؤسسات القائمة حالياً عدم كفاءتها وغياب فعليتها في إيجاد حلول للصراعات أو منع حدوثها. تعتمد رؤيتنا في هذا الأمر على فكرة أن تكون المنطقة خالية تدريجياً من النزاعات العسكرية وسائرة على طريق التعاون في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب. نحن نعتقد أن أمن المنطقة أمر يختص بتوفيره مواطنو دولها حصراً، كما نعتقد بأن الأمن الوطني والرفاه لدول منطقة الشرق الأوسط يمكن له أن يشهد قوة واستقراراً كبيرين من خلال التقارب والتكامل المستمر والاعتماد المتبادل بين اقتصادات دول المنطقة وتجارتها ووسائل نقلها وقطاع الطاقة كل منها فيها. ولتحقيق هذه الأهداف نرى أن يسعى العراق إلى تشكيل مؤسسات جديدة أو القيام بإصلاح جذري عميق للمؤسسات القائمة حالياً في مجالات الأمن والدفاع والتحالفات الاقتصادية.

التحدي الثامن عشر يتمثل في رفع مستويات ومعايير التعليم الأساسي والتعليم العالي في العراق. لقد تمتع العراق سابقاً بمستويات تعليمية جعلته محط إعجاب الكثيرين، كما انخفضت فيه مستويات الأمية إلى درجات كبيرة، واستمر هذا الأمر حتى ثمانينيات القرن العشرين. ثم بدأ تدهور التعليم بعد ذلك ودخل في نفق مظلم حتى أصبحنا اليوم نعاني من ظروف تعليمية قاسية ودرجات فشل كبير في منافسة دول كانت تطمح قبل عقود قليلة للحاق بالعراق. من بين تحديات هذا القطاع الهام انعدام الكفاءة لدى الكوادر التعليمية وكثرة تسرب وغياب الطلاب من الدرس وازدحام الطلاب في صفوف الدراسة بشكل غير مقبول وانتشار الأمية المقنّعة وتدهور البنية التحتية للمدارس وفشل أساليب الامتحانات ومقاييس التقييم وتفشي حالات الغش. هذا الركام الهائل من المشاكل يقوم عليه نظام تعليمي متضخم في بيروقراطيته وموظفون لا يمكلون الدوافع للإخلاص والعمل المنتج ولا يتمتعون بأدنى درجات الكفاءة، الأمر الذي جعل العراق يقبع في ذيل القوائم العالمية لتقييم نوعية ومستويات التعليم. لا يمكن لهذا الأمر أن يستمر أو أن يكون مقبولاً. إن العامل المشترك لجميع الدول التي نجحت في الإفلات من كهف التخلف والالتحاق بالعالم المتقدم هو تركيزها القوي على قطاع التعليم وإنفاقها الموارد اللازمة لتطويره. يجب أن يعاد التفكير في التعليم العراقي برمته وتطوير نظام تعليمي يضمن محواً كاملاً للأمية وتقديم مستوى ممتاز من التعليم في كافة المراحل الدراسية، وهذا يتطلب رفع المستويات التدريسية واعتماد مناهج وكتب دراسية متطورة وبناء مدارس كافية ووفقاً للمقاييس العالمية واعتماد أساليب اختبار صحيحة وجادة بالإضافة إلى تهيئة كادر إداري مؤهل ومخلص ومدرب على أحدث الأساليب الإدارية وتقنياتها يمكنه أن يصنع النتائج التي نسعى إلى تحقيقها.

التحدي التاسع عشر هو وقف التدهور البيئي في العراق ومن ثَمّ عكس هذا التدهور. إن العراق الذي ننشده هو البلد الذي يبنى على أساس من تكوينه الطبيعي والجغرافي كبلد يتمتع بالجمال ويكون العيش فيه ممتعاً. رؤيتنا هي إيجاد أنهار نظيفة وهواء نظيف وبيئة محمية ومدن خضراء ومساحات مشجرة في المدن وإعادة الغابات وتجديد وتوسعة بساتين نخيلنا التي أتلفها الإهمال.

التحدي العشرون هو إعادة إحياء حياتنا الثقافية والفنية وحماية إرثنا الحضاري. يجب أن يحظى الكتاب والشعراء والمعماريون وجميع أصحاب المواهب الأخرى بالاحترام والمكانة المتميزة في العراق. ليس من مهام الدولة أن تدير أعمال الفنان أو أن تفرض محتوى هذه الأعمال، بل مسؤوليتنا هي خلق بيئة تبرز أفضل مواهبنا الفنية إلى مركز دائرة الضوء وتمكنها من الإبداع.

ما هي الأهداف التي وضعناها لرؤيتنا حتى سنة 2028؟

مجموعة الأهداف الأولى تتعلق برؤيتنا لشكل الدولة

لم تكن التحديات التي ذكرناها هنا مرتبة بحسب أهميتها وأولويتها بالضرورة، لكن لا شكّ في أن التحدي الأكثر أهمية من الناحية الستراتيجية هو التحدي الأول الخاص بهوية العراق كدولة، فهذا الأمر هو اللبنة الأولى التي تنبثق منها جميع العناصر الأخرى. هذه الرؤية يجب أن تدور حول عراق تترسخ ملامحه بوضوح.

هذا هو الشكل السياسي والدستوري للدولة العراقية

في العام 2003 انتهت الدولة العراقية التي تأسست في العام 1920 بعد أن مرت بأشكال عدة هي الملكية والجمهورية والحكم العسكري ودولة الحزب الواحد، وأخيراً، الأنظمة الطغيانية. أما الدولة الثانية، التي تأسست بعد العام 2003، فلم تستطع أن تحقق الاستقرار المطلوب والأمن والقبول لتتمكن من أن تدعي لنفسها الشرعية الممنوحة لها من جميع المواطنين.

لقد أقرّ دستور العام 2005 في استفتاء صوت فيه بالعدد المطلوب لاعتباره نافذاً، ولكنه كتب في ظروف غلب فيها النزاع والأخطار والعنف. ورغم أنه يتضمن مبادئ جديرة بالإعجاب تضمن الحقوق والحريات الفردية والاجتماعية، إلا أنه لم يكن يمثل "الاتفاق العظيم" بين المكونات العراقية المختلفة كما كان يمكن له أن يصبح لو عمل القائمون عليه من أجل ذلك. لكن الدستور قد رفض، كلياً أو جزئياً، من قبل شرائح هامة من الشعب العراقي، فالذين رفضوه كلياً يدعون بأن الدستور قد أثرت فيه قوى أجنبية ولذلك لم يكن دستوراً عراقياً خالصاً، ويؤسسون مقالتهم هذه على أن القانون الذي سبق الدستور وكان ممهداً له، "قانون إدارة الدولة المؤقت" الذي تأسس عليه الدستور الحالي قد كتب في وقت كان العراق فيه تحت الاحتلال المباشر. وآخرون يرون أن الدستور منحاز كثيراً إلى حماية حقوق ومصالح مجموعات معينة وأوجد نظاماً إدارياً يشوبه الكثير من التناقض وترك مسائل عصية على الحلّ ومعوقات أمام تكوين دولة حديثة فاعلة موحدة.

لقد كانت النتيجة مثيرة للقلق

ليس العراق دولة مركزية بشكل كامل لأن الحكم الذاتي الذي تتمتع به حكومة إقليم كردستان يحجب هذه الإمكانية، فلا يمكن لدولة ما أن تكون مركزية في حين يقع ثلث سكانها ومساحتها تحت حزمة مختلفة من القوانين والتعليمات.

والعراق ليس دولة فيدرالية لأن السلطة التي تمارسها بغداد على المحافظات والحكومات المحلية تحجب هذه الإمكانية أيضاً، فلا يمكن لدولة ما أن تكون فيدرالية ما لم تكن ثمّةَ سلطات واسعة وإمكانات مادية تعطى للحكومات المحلية من خلال هيكلية لا مركزية.

والعراق ليس اتحاداً كونفيدرالياً، لأن العلاقة بين حكومة كردستان والمركز ليست مصممة على نمط دولتين لكل منهما سيادة خاصة بها، وهذا أيضاً يحجب إمكانية أن يكون العراق اتحاداً كونفيدرالياً.

إننا نؤمن بأن الهيكلية الجديدة للدولة العراقية يجب أن تتطور، آخذين بنظر الاعتبار ميول الكرد وتبعاتها على الدولة العراقية الجديدة. فنتائج مساعي الكرد وتبعاتها ستكون جذرية وسوف تتطلب كتابة دستور جديد من قبل هيأة دستورية منتخبة تدعمها هيأة مستشارين من المحامين والخبراء الدستوريين.

نعتقد أن الدستور الجديد يجب أن يأخذ في الحسبان الأمور الآتية على أقل تقدير:

•      إزالة التناقضات في الدستور الحالي والمواد التي لا داعي لوجودها فيه.

•      المحافظة على المواد المؤسسة للديمقراطية والحقوق والحريات في الدستور الحالي.

•      تحديد وضع إقليم كردستان داخل العراق بشكل واضح وغير قابل للتأويل. لقد رفض استفتاء الانفصال عن العراق الذي أجرته حكومة الإقليم في 25 أيلول 2017، كما أصدرت المحكمة الإتحادية العراقية العليا قراراً بإلغائه.

•      التأسيس لمبادئ اللامركزية وإعطاء السلطات المناسبة للحكومات المحلية في المحافظات والمدن.

•      التأسيس لمبدأ الفيدرالية المالية.

•      التأسيس لمبدأ أنّ لكل عراقي حقاً في الثروات الطبيعية للبلد من خلال إقرار ضمان مستوى الدخل الأدنى.

•      إقرار مبدأ الوحدات الانتخابية كأساس للانتخابات البرلمانية العامة.

•      أن يكون منصب رئيس الدولة منصباً منتخباً من الشعب بصورة مباشرة وبصلاحيات تنفيذية.

•      ضمان واجب الدولة في حماية جميع الأديان.

•      ضمان دعم الدولة وتبنيها لهوية إسلامية متسامحة عابرة للطوائف.

•      ضمان قيام الدولة بمكافحة التمييز على أساس العرق أو الدين أو الطائفة أو الجنس.

مجموعة الأهداف الثانية تتعلق برؤيتنا للاقتصاد

إن تكوين بلد مرفّه يحتم علينا أن نتبنى أهدافاً طموحة وواقعية في الوقت ذاته.  يجب علينا من الآن إلى العام 2028 أن نضاعف دخلنا القومي ليكون 500 مليار دولار أميركي وهذا تقدير يحفه الكثير من التفاؤل بلا شك، لكننا يجب أن نضع لأنفسنا أهدافاً كبيرة إذا أردنا أن نحفز أنفسنا للعمل باجتهاد كبير. ستكون هذه مهمة صعبة للغاية وسوف تتخلل مسيرتها نقاط ارتفاع وانخفاض كثيرة، خاصة وأن علينا أن نجري تغييرات قاسية في جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية. لقد حقق العراق هذا الهدف في فترات الهدوء النسبي والاستقرار السياسي، بل وتجاوزه أحياناً، في الخمسينيات والستينيات وجزء من السبعينيات من القرن الماضي، على سبيل المثال. فإذا نجحنا في تحقيق هذه الأهداف الطموحة، وحافظنا على نسبة واطئة من النمو السكاني، بما يعادل 2% سنوياً مثلاً، سيكون ما يمتلكه العراقيون في العام 2028 ضعف ما لديهم الآن. هذا هو مقياس المجتمع المرفه الذي نطمح إلى تحقيقه ونتمنى أن ننجح في سعينا هذا.

يجب أن يكون اقتصادنا منافساً وقادراً على أن يحافظ على استقراره واستمراريته على المدى البعيد.  يجب أن يتكيف مع التغيرات المتوقعة في أسواق الطاقة العالمية واحتمال انتهاء عهد البترول. ومن أجل النجاح يجب أن يتحول اقتصاد العراق في اتجاه القطاعات الصناعية والتحويلية، وفي قطاعات النقل والخدمات، وفي اتجاه تبنّي أكثر الوسائل التكنولوجية والمعلوماتية المطلوبة.  يجب علينا دعم القطاع الخاص والأعمال غير الحكومية وخلق بيئة تدعم وتشجع وتدفع في اتجاه الإبداع والاستثمار في هذا المجال الهام.  كما يجب أن نستغل موقع العراق المتميز كنقطة وصل بين الحضارات وخطوط التجارة ونفتح أبواب بلدنا لرياح التغيير التكنولوجي. ففي عالم تكون فيه نوعية الموارد البشرية مفتاحاً للتطور والرفاه سيكون أداؤنا معتمداً تماماً على مهارة وكفاءة قوتنا العاملة وكوادرنا الإدارية. ويجب أن تكون أخلاق العمل لدينا في أعلى درجات الرصانة وأن تكون قدرتنا الإنتاجية عالية ودائمة الارتفاع.

لا يمكن للقطاع الخاص في العراق أن يكون محركاً للتغيير والنموّ إذا لم تكن لديه الكفاءة والقدرة على المنافسة وإذا كان معتمداً على الدولة من أجل الاستمرار. كثير من رجال الأعمال ورجال المصارف يعيشون اليوم على عقود وبرامج حكومية يشوبها الفساد. لا يمكن لهذا الحال أن يكون أساساً لتطوير قطاع خاص فعال وقوي ونزيه وكفوء. إن الأعمال الحرة لا تعني التمتع بإمكانية الغش والاستغلال من دون أدنى اهتمام بالمصلحة العامة وحاجات الاقتصاد الأساسية. يجب على رجال الأعمال لدينا أن يمتلكوا إحساساً بالمسؤولية العملية وشعوراً بالواجب المهني وأن يفهموا دورهم الأساس في تكوين اقتصاد صحي وسليم. لا يمكن أن نتصور دوراً كبيراً ورائداً للقطاع الخاص إذا كان المبدأ الوحيد هو الحصول على أعظم قدر ممكن من الربح. يجب ألا يفكر رجال الأعمال في العراق في مصالحهم الضيقة فحسب، بل عليهم التفكير في مصلحة البلد على المدى البعيد أيضاً. يجب أن يؤسس القطاع الخاص لعلاقات مع المجتمع الاستثماري الخارجي من أجل بناء مصالح مشتركة وشراكات عملية، وهذا الأمر سيزيد من حجم الاستثمارات المباشرة في العراق ويجلب للبلد ما يحتاجه من التكنولوجيا ويربطه بالأسواق العالمية ويأتي بأفضل المعايير والممارسات العالمية إلى العراق. كما يقع على عاتق قطاعنا الخاص دور آخر غاية في الأهمية هو العمل على تدريب وتهيئة القوة العاملة ورفع نوعية المهارات لديها.

وفي الوقت ذاته يجب على الحكومة أن تخلق بيئة مساعدة للقطاع الخاص لكي ينمو. إذ لا يمكن للقطاع الخاص أن ينتعش وينمو إذا خنق بقوانين وتعليمات معرقلة وغير ضرورية ومدمرة. يعاني رجال الأعمال لدينا من مضايقات من أجهزة بيروقراطية غالباً ما تكون عدائية وغير متعاطفة وغير متفهمة لاحتياجاتهم. وهم يتعرضون أيضاً إلى الابتزاز واشتراط الرشوة والعمولات، ليس من قبل الموظفين فحسب بل والساسة أيضاً.

يجب أن تكون العلاقة بين القطاع العام والقطاع الخاص بعيدة عن الاعتماد الطفيلي للقطاع الخاص على الدولة، بل نرى أن يكون ثمة نوع جديد من التعاون بين القطاعين يتجلى من خلال تشجيع الشراكة بينهما في البنية التحتية وفي مجال تقديم الخدمات البلدية. ومع الاعتراف بأن بعض تفاصيل هذه الشراكة لا يمكن شرعنتها، وقد لا يكون منتجاً، إلا أن تفاصيل الشراكة التي يمكن أن تكون منتجة لا بدّ من اعتمادها وتشجيعها على أساس تنافسي وضمن نطاق يتسم بالمسؤولية ويخضع للرقابة والتقييم.

على أقل تقدير، يجب أن تكون الأهداف الاقتصادية الكبيرة التي وضعناها لأنفسنا ضمن نطاق تعهداتنا الدولية في الوقت الذي تكون فيه ملبية لمتطلبات رؤيتنا الوطنية. كما يجب أن يعيد العراق تأكيده على تعهداته للأهداف الألفية للتنمية التي حددتها الأمم المتحدة ويتجاوزها إذا أمكن ذلك.  لكن علينا أن نضيف مقاييسنا الوطنية الخاصة للنجاح بالإضافة إلى أهداف الأمم المتحدة ومعاييرها.

لقد جرب العراقيون أنواعاً عديدة من الأنماط والستراتيجيات والسياسات الاقتصادية، وقد توقف معظمها مع حدوث تغيير للنظام السياسي الذي تبناه أو بسبب صدمات خارجية، فقد كانت خمسينيات القرن الماضي فترة للنمو الاقتصادي السريع الذي غذاه ارتفاع عوائد البترول، فحدثت التنمية في نطاق اقتصاد ليبرالي منفتح، إلى حد ما، تميز بازدياد دخل الدولة وباستثمار في البنية التحتية. ثم أتت ثورة 1958 بتبعات اقتصادية هامة، خصوصاً ما حدث من تغييرات جذرية في القطاع الزراعي. وشهدت ستينيات القرن تأسيس اقتصاد اشتراكي من خلال حملة واسعة من قرارات التأميم وتقليص فعاليات القطاع الخاص في مرحلة سياسية عصيبة وتزامناً مع الحرب بين العرب وإسرائيل في العام 1967. أما عقد السبعينيات فقد شهد توسعاً في ملكية الدولة وتأميم الصناعة النفطية وزيادة عظيمة في التوظيف لدى الدولة مع تحسن اقتصادي كبير نتيجة لارتفاع غير مسبوق في العائدات النفطية التي تلقتها خزينة الدولة. وفي عقد الثمانينيات بدأت الحرب بين العراق وإيران مما حتم خلق اقتصاد حربي وتحمل ديون خارجية ضخمة من أجل إدامة الحرب. تبع ذلك عقد التسعينيات الذي بدأ بغزو واحتلال الكويت وما أعقبه من صعوبات اقتصادية دامت لعقد من الزمن تفاقم فيها التضخم بشكل خطير وهوى الدخل الفردي إلى مستويات حرجة وتفشت البطالة ونشأ اقتصاد الحصار في ظلّ عقوبات اقتصادية دولية خانقة.

بعد التغيير الكبير في العام 2003 لم تُستَحدَث ستراتيجيات وسياسات مؤثرة وواعية لإعادة إعمار العراق وتنميته، فتميزت السياسات الاقتصادية بالضعف والتناقض وكانت ارتجالية انتهازية يسود فيها العمل للمدى القصير ولم  تتسم بالنضج والكفاءة اللازمة. حاولت القوة المحتلة أن تفرض نوعاً من الصدمة الاقتصادية من خلال برامج للخصخصة واعتماد الليبرالية الاقتصادية لكن ذلك كله قد هجر سريعاً وتبعته فوضى اقتصادية كبيرة. ثم تبع ذلك ما سمي بـ"العقد الدولي مع العراق"، وهو جهد سعى إلى ربط العراق بالمجتمع الدولي ادّعى أنه سيؤدي إلى تشكيل رؤية مشتركة وسبل تقود إلى إصلاح الاقتصاد العراقي. كما قدمت مؤسسات عديدة تابعة للأمم المتحدة وكذلك البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وصفات إصلاحية لبعض القطاعات الاقتصادية في العراق، توّج ذلك كله بما عرف بالتشخيص  الشامل للاقتصاد العراقي الذي طرحه البنك الدولي في العام 2017. لم ينفذ من كل برامج الإصلاح والتغيير هذه سوى النزر اليسير، ولم يتحقق من أهدافها بعدُ ما يستحق الذكر.

كما أطلقت وزارة التخطيط خطتين كل منها لأربع سنوات (2010 إلى 2014 و2013 إلى 2017). ورغم أنهما اتسمتا بقدر كبير من الواقعية وفهماً عميقاً لاقتصاد عراقي فاعل أبداه المهنيون في وزارة التخطيط، إلا أن النتائج كانت ضعيفة. فقد انحرفت هذه الخطط بسبب غزو داعش الذي تزامن مع تهاوي عائدات النفط، فلم تعد هاتان الخطتان صالحتين لنؤسس عليهما سياسات لإعادة بناء الاقتصاد العراقي. إضافة إلى ذلك فقد فشلت الخطتان في التركيز على الضعف المؤسساتي ومشكلة الفساد والاقتصاد السياسي المتهالك في العراق.

إن الرؤية التي نقترحها للاقتصاد لا تنبثق من فراغ، بل هي مؤسسة على العمل الذي أجرته وزارة التخطيط ووزارات عراقية أخرى، بالإضافة إلى عمل المؤسسات التنموية العالمية. لكننا صممنا رؤيتنا ضمن سياق يقوم على منهج إصلاحي سياسي ومؤسساتي، وهذان شريكان أساسيان لأي نجاح في تطبيق رؤيتنا هذه. وقد أوضحنا أيضاً ستراتيجية جريئة لنقل الاقتصاد العراقي إلى وضع يمكنه من النهوض بمتطلبات رؤيتنا هذه.

ما الذي نريد تحقيقه، وما هي أهدافنا للعام 2028؟

•      نهدف إلى إنهاء الفقر التام في جميع أنحاء العراق. ولكن، مبدئياً، وبحلول العام 2028، سنسعى جاهدين لتقليل نسبة الفقر التام إلى أقل من 10%.

•      نسعى إلى توفير فرص عمل مجزية والحفاظ على توفرها، خصوصاً لجيل الشباب، ونهدف إلى خفض نسبة البطالة إلى ما دون الـ 5% من القوة العاملة الفاعلة بحلول العام 2028.

•      نسعى إلى تحسين مستوى المعيشة للمواطنين العراقيين، من خلال رفع دخل الفرد إلى 10 آلاف دولار، أو ضعف المستوى الحالي بحلول العام 2028.

•      نسعى إلى تنمية الاقتصاد العراقي بدرجة تحقق احتياجاتنا الاجتماعية والاقتصادية لتكون نسبة النمو في الناتج المحلي 8% سنوياً خلال الفترة المقبلة حتى العام 2028.

•      نسعى إلى تنويع الاقتصاد والابتعاد عن الاعتماد التام على عوائد تصدير البترول. هدفنا هو رفع نسبة القطاع غير النفطي إلى 60% بحلول العام 2028.

•      نسعى إلى رفع قيمة الأعمال في مجال الطاقة إلى الحد الأقصى بحلول العام 2028، من خلال تحقيق مستوى إنتاج بمعدل 10 مليون برميل نفط يومياً و 8 مليار قدم مكعب يومياً من الغاز ومليون ونصف برميل من المشتقات النفطية يومياً و40 غيغا واط من الطاقة الكهربائية ومليوني طن من البتروكيمياويات سنوياً.

•      نسعى إلى تقليص الفجوة الهائلة في الظروف الاجتماعية والاقتصادية بين مناطق العراق المختلفة من خلال رفع نسب الاستهلاك للمناطق الأكثر فقراً إلى المعدل الوطني بحلول العام 2028.

•      نسعى إلى موازنة الاقتصاد العراقي وتوجيهه إلى الاعتماد على القطاع الخاص من خلال رفع حصته إلى 65% من الناتج المحلي بحلول العام 2028.

•      نسعى إلى إعطاء الأولوية للإعمار وتطوير البنية التحتية والحفاظ على نسبة استثمار لا تقل عن 30% من النائج المحلي في الفترة التي تنتهي بحلول العام 2028.

•      نسعى إلى الحفاظ على استقرار الأسعار خلال عملية الإعمار والتنمية من خلال الحفاظ على نسبة التضخم تحت 3% سنوياً مع نسبة مسيطر عليها من سعر العملة في الفترة التي تنتهي بحلول العام 2028.

ما هي الستراتيجيات التي سنتبعها لتحقيق رؤيتنا؟

•      علاقة اقتصادية ستراتيجية مع الاقتصادات الفاعلة في آسيا.

•      توجه اقتصادي ستراتيجي تجاه توسع التجارة والاستثمار الاقليميين.

•      ستراتيجية تركز على النقل ودور المراكز الحضرية والتمدن، مؤسسة على توسعة وتطوير البنية التحتية والروابط الإقليمية.

•      جهد ضخم في مجالي القطاع العام والخاص لزيادة الوحدات السكنية.

•      دفع قوي في اتجاه الصناعات البتروكيمياوية وصناعات الطاقة ذات القيمة المضافة.

•      تشجيع تكوين نطاق واسع من الأعمال المرتبطة بالزراعة والشركات التجارية.

•      تكوين شبكة من مناطق الأعمال الخاصة ومناطق التجارة الحرة ومناطق الصناعة المرتبطة بالطاقة في المدن الرئيسية.

•      إعادة تنظيم التعليم الأساسي والثانوي من أجل خلق خط آخر من الأكاديميات التي تعتمد الكفاءة والنتائج أساساً لتقييمها.

•      خلق خط أعلى من مؤسسات التعليم العالي والمتخصص التي تستطيع تحقيق مستوى عالمي ومكانة دولية متقدمة.

•      إصلاح ودمج القطاع المصرفي في مصارف قليلة تعتمد الملكية المشتركة.

•      إصلاح التمويل العام ونظام الموازنة العامة لضمان الدقة والمسؤولية المالية والكفاءة والسيطرة التامة والكشف المالي وسهولة انسيابية المعلومات.

•      إصلاح النظام الضريبي المباشر وغير المباشر لضمان العدالة الضريبية والجباية والاكتفاء مع الحفاظ على دوافع العمل.

•      مراجعة وإصلاح شروط التوظيف ومستوياته والتدريب والمهارات والرواتب والامتيازات لموظفي القطاع العام والخدمة المدنية.

•      مراجعة جميع برامج المساعدات الاجتماعية وأشكال دعم السلع والخدمات ودراسة الحاجة إليها والنظر في إمكانية استبدالها بنظام الدخل العام.

•      تشجيع الادخار وحسابات التقاعد من خلال صندوق النقد الوطني الإلزامي مما يوفر مورداً هاماً للاستثمار في القطاعين العام والخاص.

•      إعادة هيكلة أسواق الادخار لتمويل شراء المنازل والاقتراض لهذا الغرض.

•      إعادة هيكلة مؤسسات السوق المالية وتقويتها وزيادة صلاحياتها، بما في ذلك سوق الأسهم العراقية.

•      تأسيس مجلس الإعمار المستقل وإعطائه صلاحية تصميم وتنفيذ المشاريع الستراتيجية.

•      تأسيس المصرف الوطني لإعادة الإعمار والتنمية.

•      تأسيس الصندوق الوطني للاستثمار لإيداع الأصول الخاصة بالمشاريع الستراتيجية والمشاريع المشتركة مع الشركات المحلية والأجنبية.

•      تأسيس هيأة للسياسات الاقتصادية الوطنية تتألف من أكاديميين وخبراء يساندهم فريق من المستشارين الأجانب من ذوي الخبرة.

•      تأسيس مجلس الطاقة الاتحادي الذي يرسم الستراتيجيات والسياسات لقطاع الطاقة.

•      تأسيس هيأة السياسات الاجتماعية الوطنية لرسم وتحديد الأهداف الاجتماعية، بما في ذلك تحولات الدخل.

•      ترشيق وترشيد عدد الوزارات والمؤسسات الحكومية، خصوصاً تلك التي تشرف على قطاع الطاقة.

•      إعادة هيكلة جميع المؤسسات الاقتصادية المملوكة للدولة وتحويلها إلى شركات عامة مساهمة ممولة بشكل مستقل وعاملة وفقاً لمبادئ التجارة والسوق.

•      خلق كادر عالي التدريب والمهارة من المسؤولين الإداريين غير المرتبطين سياسياً.

•      تأسيس المعهد الوطني للإدارة لتدريب كبار موظفي الخدمة المدنية وأولئك الذين يتوقع لهم الارتقاء إلى مناصب قيادية في الدولة.

•      إصلاح قضائي وإداري شامل من أجل تقليص القوانين والتعليمات الحكومية المعرقلة لقطاع الأعمال والاستثمار، بما في ذلك الاستثمار الأجنبي.

مجموعة الأهداف الثالثة تتعلق برؤيتنا لبناء مؤسساتنا

إن التدهور والانحلال والتدمير الذي حل بمؤسسات العراق قد وصل إلى مراحل متقدمة، وقد بدأ واستمر بتسارع شديد خلال السنوات الخمسين الماضية، وربما قبل ذلك، وكان شاملاً لجميع المؤسسات بدءاً من الوحدات الأساسية للحكومة والإدارة، إلى القضاء، مروراً بالأنظمة التعليمية والمؤسسات الأمنية والعسكرية. هذا التدهور قد امتد أيضاً خارج الحكومة إلى مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني بما فيها النقابات والجمعيات المهنية والتعاونيات والمؤسسات الدينية. ثمّ وصل التدهور والتراجع المستمر إلى طبيعة ونوعية العلاقات والمعاملات الشخصية في المجتمع. إن الثقة والعدالة والنزاهة وحسن الجوار وغيرها من الصفات المدنية هامة جداً وضرورية في تكوين مجتمعات ونظم اقتصادية ناجحة. إنها القواعد الأساسية الرسمية وغير الرسمية التي تدير المجتمعات بواسطتها جميع شؤونها. لكنها قد طرحت جانباً في بلدنا خلال عقود من الدكتاتورية والفوضى والصراع المدني. لا يمكن أن نتصور مسيرة تنموية من دون استعادة هذه القيم الشخصية والمجتمعية الهامة.

ما هي أهدافنا للعام 2028؟

•      نسعى إلى إعادة توجية آليات الحكومة في جميع المستويات لتتلاءم مع تحديات وتعقيدات القرن الحادي والعشرين الاقتصادية والاجتماعية.

•      نسعى إلى إعادة هيكلة الحكومات الاتحادية والمحلية لإدارة ولتقديم خدمات فاعلة وعادلة وذات كفاءة وخالية من العراقيل والفساد.

•      نسعى إلى إصلاح الإدارة القضائية لضمان توفير العدل دون انحياز، مع نزاهة وكفاءة في العمل وسرعة في الإجراءات.

•      نسعى إلى إعادة تنظيم قواتنا الأمنية لضمان المهنية والكفاءة والعقيدة العسكرية الدفاعية الصحيحة.

•      نسعى إلى إعادة هيكلة نظام إدارة العلاقات الخارجية للعراق وأساليب بناء السياسة الخارجية، بما في ذلك أساليب اختيار وتدريب الدبلوماسيين والإشراف على عملهم.

•      نسعى إلى إعادة تنظيم أجهزتنا الأمنية للتأكيد على الكفاءة والفاعلية وسرعة الاستجابة وضمان مساهمة وتعاون المجتمع معها وتقوية الرقابة عليها.

•      نسعى إلى إعادة هيكلة مؤسساتنا التعليمية في جميع مستوياتها للتأكيد على النوعية والعمق وتقوية القيم والتأكيد على الهدف من العملية التعليمية في بناء الدولة والمجتمع.

•      نسعى إلى تشجيع ودعم منظمات العمل التطوعي والتعاوني والديني في تقديم الخدمات الاجتماعية بدلاً من الدولة أينما كان ذلك مناسباً.

•      نسعى إلى تقوية مجتمع قائم على القيم العليا من خلال جهد وطني إعلامي وتعليمي وإرشادي بالتعاون مع جميع المؤسسات المتخصصة في هذا المجال.

الفساد هو الخطر العظيم الذي تسرب إلى أعماق الدولة والمجتمع العراقي، فأصبح الناس يرونه، وهم محقون، بأنه التحدي الأخطر الذي يواجهه بلدنا. يستحق الفساد حزمة من الأهداف والستراتيجيات المصممة بعناية والتي تجعل من مكافحته أولوية وطنية.  يجب أن يقلل الفساد إلى أدنى حد تمهيداً للقضاء نهائياً على تأثيراته السامة على البلد.

هدفنا هو أن نقلص الفساد بكل أشكاله المالية والإدارية والسياسية إلى مستوى يوازي ما هو موجود في الدول المتطورة بحلول العام 2028.

•      نسعى أيضاً إلى رفع ترتيب العراق في قائمة منظمة الشفافية العالمية من مرتبته الحالية (162 من بين 168 بلداً) إلى ترتيب 30 أو أفضل بحلول العام 2028.

تعتمد ستراتيجيتنا في هذا المجال على المبادئ الأتية:

اصلاح الإجراءات الحكومية وتفعيل وسائل الردع القضائية، والتثقيف المجتمعي.

لذلك سندعو إلى ستراتيجيات تؤدي إلى النتائج التالية:

- إصلاح المؤسسات التي تراقب وتردع الفساد.

- إصلاح الإجراءات والمعاملات الحكومية والقوانين والتعليمات واعتماد الأنظمة الالكترونية.

- إعادة هيكلة معايير وإجراءات التعاقدات الحكومية.

- حصر صلاحيات عقود الشراء والخدمات الحكومية بيد مؤسسة وطنية للعقود.

- تقوية وتفعيل قوانين مكافحة الفساد وتطبيقها على الجميع دون استثناء.

- تأسيس شرطة التحقيقات المالية للتحقيق في الجرائم المالية الكبرى.

- حماية الموظفين الذين يكشفون الفساد في دوائرهم من العقوبات والضغوط.

- تأسيس هيأة وطنية عليا للتحقيق في الجرائم الاقتصادية تكون مستقلة وتكون لها سلطات قانونية للتحقيق ومحاكمة مرتكبي هذه الجرائم.

- ملاحقة حقيقية لجميع مرتكبي الفساد في العراق من عراقيين وأجانب منذ العام 2003.

- تأسيس صندوق للعثور على الأموال والممتلكات العراقية المسروقة أينما كانت واستعادتها.

مجموعة الأهداف الرابعة تتعلق برؤيتنا لتحقيق السيادة الوطنية والأمن الوطني

لقد انتهكت سيادة العراق ووحدة أراضية لعقود. ففي عالم مؤلف من دول وطنية متعددة، تعرضت سيادتنا الوطنية ووحدة أراضينا إلى تهديدات منتظمة من قبل قوى عالمية وإقليمية عديدة. رؤيتنا تتضمن استعادة سيادتنا بشكل مطلق لكي لا نتعرض لتحديات وتهديدات دائمة من قوى أجنبية ترانا أرضاً خصبة لتدخلاتها وبسط نفوذها. سوف نحترم سيادة جميع الدول، ولكننا سنتعامل معها جميعاً على أساس المصالح المشتركة ووفقاً لمبدأ تبادل المصالح.  سنرفض أي شكل من أشكال التحالفات التي تورطنا في صراعات وخلافات دولية أو إقليمية، أو تحاول إلزامنا بالوقوف في محور أو معسكر أو آخر، سواء كانت هذه التحالفات معلنة أو سرية، موثقة أو غير مكتوبة. سيسعى العراق إلى أن يلعب دوراً بناء في تحقيق الاستقرار والمصالحة وتقليص الصراعات والتوترات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط، إذ تتضمن رؤيتنا شرقاً أوسط خالياً من المظاهر العسكرية بشكل كبير ومترابط بأواصر من المصالح المشتركة والمؤسسات العابرة للحدود تدعم الحريات والأمن والرفاه لشعوب المنطقة.  عناصر رؤيتنا أيضاً تبني وتدعم فهماً للإسلام يكون مبنياً على الأسس غير المحرفة في القراءة والتأويل، منفتحة متسامحة تحترم التعددية ولا تتقوقع في المجال الطائفي الضيق وتعمل على حماية المجتمع من العقائد الرجعية المتطرفة والإرهاب.

كيف نحقق هذه الأهداف بحلول 2028؟

•      نسعى إلى إزالة النفوذ الإقليمي والدولي في الشؤون الداخلية للعراق، بما في ذلك سحب جميع القوات الأجنبية والمجموعات المسلحة الخاضعة للنفوذ الأجنبي.

•      نسعى إلى تكوين منظومة أمنية ودفاعية لدول الشرق الأوسط تتحمل المسؤولية الأساسية في حفظ الأمن الإقليمي والدفاع عن المنطقة.

•      نسعى إلى تشكيل تحالف إقليمي دائم ضد الإرهاب مهمته مكافحة ومنع انتشار التطرف في المنطقة.

•      نسعى إلى إحداث تفعيل جذري للجامعة العربية، أو تشكيل تجمع جديد للدول العربية ليحل محلها، وكذلك مع المؤسسات الأخرى غير الفاعلة.

•      نسعى إلى إحداث تفعيل جذري لمنظمة التعاون الإسلامي، أو تشكيل تجمع جديد للدول الاسلامية ليحل محلها، وكذلك مع المؤسسات الأخرى غير الفاعلة.

•      نسعى إلى توسعة وتحديث ومأسسة الإطار العام لـ"رسالة عمّان" التي صيغت في العام 2004 والتي تدعو إلى إزالة الطائفية والفكر المتطرف في تعاليم وممارسات المسلمين.

•      نسعى إلى تشكيل مؤسسات وأطر لتنسيق وتنظيم العلاقات التجارية والاقتصادية في الشرق الأوسط مع نظرة مستقبلية لتأسيس سوق مشتركة للسلع والخدمات وتشجيع الانسيابية الحرة للمال.

•      نسعى إلى تشكيل مؤسسات وأطر لحماية وتعزيز الحريات والحقوق للأفراد والمجتمعات والأقليات في الشرق الأوسط وطرح لائحة إقليمية للحقوق والحريات مدعمة بآليات مؤسساتية عابرة للحدود.

•      نسعى إلى إصدار قوانين تمنع الكتل السياسية العراقية من تكوين علاقات سياسية ومالية يمكن لها أن تؤثر سلباً على سيادة العراق وأمنه، بما في ذلك قوانين تضمن شفافية التمويل الانتخابي وجمع التبرعات من قبل الأحزاب والكتل السياسية.

القيادة والأخلاق والمؤسسات والاستقرار

لقد اتسم تأريخ العراق بمتلازمات الفشل وتضييع الفرص، وإن شهد في أحيان قليلة بعض النجاح.  وحيثما وجد النجاح في الماضي، لم يكن ذلك نتيجة لتبني السياسات الصحيحة فحسب، بل بسبب وجود قيادة جيدة ومستوى عال من الأخلاق الاجتماعية والفردية ومؤسسات رصينة واستقرار اجتماعي. هذا الخليط هو ما يحتم خروج العراق من حالته الصعبة وغير المقبولة في الوقت الحاضر وينطلق نحو مصاف الدول المتقدمة. إننا نؤمن بقوة بأنه لا توجد إيديولوجية أو نظرية يمكن أن تنتج على المدى البعيد الأهداف المنشودة للعراق من تنمية عادلة ومستدامة في ظل غياب أربعة عناصر ضرورية:

القيادة، والأسس الأخلاقية، والعمق المؤسساتي، والاستقرار الأمني والسياسي

الذي نقصدة بالقيادة ليست القيادة السياسية فقط، وإنما جميع مستويات قيادة المؤسسات الأساسية التي تتكون منها الدولة الحديثة والاقتصاد المعاصر. والمقصود بالأخلاق ليس المستوى العالي من النزاهة العامة والسلوك القويم فحسب، وإنما الإطار المؤسساتي والثقافي الشامل الذي تتفاعل فيه السياسات الاقتصادية والقيادة السياسية. أما الاستقرار فنعني به درجة عالية من النظام السياسي واستمرارية للمعايير القانونية والمؤسساتية. إن غياب أي واحدة من هذه المكونات الأساسية سيتسبب في تشوه عملية الإحياء الوطني ويوقف مسيرتها تماما، أو في أحسن الأحوال سيجعل مكتسباتها مؤقتة. فهذه هي الصخرة التي يقف عليها الاقتصاد السليم والتي لا بد من أن تبنى عليها السياسات الاجتماعية والثقافية، لأن أفضل السياسات يمكن أن تتعثر وتهوي إذا جرى استحداثها في فراغ أو بطريقة غير متناسقة، أو إذا جرى تطبيقها في بيئة تنقصها القيادة والمعايير الأخلاقية والمؤسسات الرصينة والاستقرار.

نقول بكل أسف إن هذه الشروط الأساسية الأربعة اللازمة لتحقيق تنمية اقتصادية وسياسية متوازنة وسريعة ومستدامة هي إما مفقودة أو متراجعة كثيراً في العراق.

إن النظام السياسي الذي تشكل في العراق بعد العام 2003 هو نظام مهتم بخدمة ذاته وخدمة حلقة ضيقة من المصالح جرى تصميمها وتشريعها من قبل جماعات سياسية معينة وشرعنتها بإدعاءات دستورية وباسم الديمقراطية والقانون. هذا النظام مصمم لإنتاج مخرجات متحكم فيها لن تنحرف كثيراً عن الصفقات المعدّة سلفاً في الغرف الخلفية، ورغم أن الديمقراطيات ليست محصنة ضد السياسات الفئوية والمناورات المحمومة، لكن دولاً قليلة جداً قد بلغت ما وصل إليه الفشل والفساد في العراق.

لقد جمع النظام في العراق بين أسوأ أنواع السياسات الفئوية مع آليات الدولة الفاشلة والمؤسسات المتهالكة، إذ يتفق القادة على صفقات تقاسم الغنائم من سلطة وثروة فيما بينهم وفقاً لمعادلات يزعمون أنها تهدف إلى التوازن القومي والطائفي وتمنع التمييز والإقصاء، ولكنها عملياً تجعل كل مؤسسة في الدولة والحكومة تحت إدارة شخص يعينه حزب ما على أن يكون ولاؤه ليس للمؤسسة أو الشعب، بل للحزب الذي أتى به إلى المنصب. هذه التعيينات كانت دائماً متسمة بالفشل، فالمرشحون يجمعون بين غياب الكفاءة التام والانتهازية المطلقة وانعدام الورع عن سوء استغلال السلطة، في حين يجري تجاهل أي خطوات يمكن أن تضمن عدم إساءة التعيينات. والنتيجة واضحة للعيان، فالمؤسسات الضعيفة أصلاً قد جرى تشويهها، والمؤسسات المستحدثة للحفاظ على الديمقراطية قد جرى الالتفاف عليها وجعلها غير مؤثرة أو ربما مؤثرة سلباً، وسلطات الشعب الانتخابية والقوانين التي تحكم الفعاليات السياسية قد جرى تحييدها من أجل ضمان عودة نفس الأحزاب أو من على شاكلتها إلى السلطة. لقد أصبحت فكرة محاسبة المسؤولين بلا معنى فترى الكيانات السياسية رغم خلافاتها العديدة تتكاتف لمنع تنفيذ القوانين ضد الفاسدين وإن كانوا من أحزاب أخرى لمنع أن يصل الحساب إلى الفاسدين المنتمين إليهم.

إن الطريق البرلماني لإحداث التغيير قد أصبح مليئاً بالعراقيل والحركات الإصلاحية داخل البرلمان لم تستطع أن تنجز شيئاً يستحق الذكر، ولم يظهر، ولن يظهر، قادة من داخل الهيكل السياسي الحالي يمكنهم أن ينهضوا بمسؤوليات المسيرة الإصلاحية التي يحتاجها العراق من أجل تأسيس حكومة منفتحة مسؤولة وذات كفاءة.

ولكننا، في الوقت الذي نرى فيه صعوبة الإصلاح من داخل الطبقة السياسية، لا نرى ولا ندعم أي محاولات إصلاحية تتخذ من العنف وسيلة لها. لقد تعلم العراقيون أن ثمن العنف هو المزيد من العنف والنتيجة ستكون مزيداً من الانقسام والقتل والدمار والأحقاد التي لن تموت.

لقد أطلق هذا المانيفيستو خطة ورؤية لولادة جديدة للعراق، نحن ملتزمون بنشر مبادئها بين قطاعات واسعة من أبناء وطننا الحبيب. كما نؤكد على أن المانيفيستو ليس وثيقة معصومة مما يستوجب التقد والتقويم، لكننا نعتقد بأنها تقدم أرضية صلبة لمباحثات وطنية واسعة النطاق من أجل تحديد الاتجاه الصحيح لمستقبل العراق. لذلك ندعو العراقيين شعباً وقادة سياسيين ورجال دين وقادة مجتمع إلى التفاعل الحقيقي البناء والجادّ مع هذا المانيفيستو، ومع الأفكار التي يطرحها والتحديات التي يسلط الضوء عليها. فإذا قاد هذا التفاعل إلى توافق عراقي جديد على مستقبل العراق، وأدى هذا التوافق إلى تشكيل نظام سياسي صالح، سيكون العراقيون حينئذ قد ساروا بخطوات واسعة نحو صنع عقد وطني جديد، وسنضمن مجتمعاً متطوراً قوياً تقدمياً آمناً ونظاماً راسخاً.

المؤلفون

البروفسور علي عبد الأمير علاوي هو أستاذ وباحث متمرس في جامعة سنغافورة الوطنية. عمل أستاذاً زائراً في عدد من الجامعات العريقة منذ 2003، من بينها هارفرد وبرنستون وأوكسفورد. عارض نظام البعث منذ مجيئه إلى الحكم، وشغل بعد سقوط النظام منصب وزير للتجارة والدفاع والمالية، وانتخب نائباً في الجمعية الوطنية عن كتلة الإئتلاف الوطني. حصل على البكلوريوس من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة في الهندسة المدنية، في مجال النقل وتخطيط المدن، وشهادة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة هارفرد متخصصاً في الاقتصاد والتمويل الدولي. ساهم في إنشاء عدد من الشركات المصرفية والاستثمارية العالمية وعمل في البنك الدولي بمنصب خبير استثماري ومالي. له عدد من الكتب منها "احتلال العراق: كسب الحرب وخسارة السلم" وأزمة الحضارة الإسلامية" وكتاب "عراق فيصل الأول"، وهو الآن بصدد إنجاز كتاب عن التاريخ الاقتصادي المقارن لدول العالم النامية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.  حائز على عدة جوائز عالمية من بينها جائزة جامعة تفتس للدبلوماسية العالمية وجائزة جامعة سنغافورة وأستاذية فخرية من جامعة بيلوات.  أنتخب في العام 2013 كرابع أهم مفكر في العالم، من قبل لجنة دولية شكلتها مجلة بروسبكت.

الدكتور عباس كاظم هو باحث في السياسة الخارجية بكلية الدراسات الدولية العليا، جامعة حونز هوبكنز، في العاصمة الأميركية واشنطن، تركز بحوثه على العراق وإيران ودول الخليج العربية. حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا، بيركلي، في 2006.  بين العامين 2005-2013 عمل أستاذاً لدراسات الأمن القومي ودراسات الشرق الأوسط في الأكاديمية البحرية للدراسات العليا بولاية كاليفورنيا وفي تلك الفترة كان أيضاً أستاذاً زائراً في جامعة ستانفورد. قبل التحاقه بجامعة جونز هوبكنز كان الدكتور كاظم يشغل منصباً استشارياً في سفارة الجمهورية العراقية بواشنطن.  يعمل حالياً على دراسة إعادة بناء الاقتصاد السياسي للعراق. مؤلف كتاب "استعادة العراق: ثورة العشرين وبناء الدولة الحديثة" (باللغتين العربية الإنكَليزية)، بالإضافة إلى عدد من الدراسات والكتب الأكاديمية.

الدكتور لؤي الخطيب هو المدير المؤسس لمعهد الطاقة العراقي وزميل في مركز سياسة الطاقة العالمية في جامعة كولومبيا (نيويورك)، وزميل سابق في السياسات الخارجية بمعهد بروكنجز (واشنطن). حصل على شهادة الدكتوراه في السياسة والاقتصاد من جامعة أكستر بالمملكة المتحدة. تجاوزت خبرته عشرين عاماً في إدارة الأعمال ورسم السياسة العامة من خلال شغله لمناصب إدارية واستشارية عليا في مؤسسات دولية وشركات عالمية في مجال الطاقة والبنوك. وهو الآن بصدد إنجاز كتابين، الاول دراسة مقارنة للأنظمة الاتحادية في رسم سياسات الطاقة، والثاني مراجعة مسيرة العراق الاقتصادية في السياسة النفطية بعد عام ٢٠٠٣. ضيف دائم على كبريات وسائل الإعلام للتعليق على قضايا الطاقة والأمن والاقتصاد والسياسة في الشرق الأوسط. نُشِرَت أعماله في الدوريات والصحف العالمية مثل فورن أفيرز ونيويورك تايمز وناشنال إنترست وهافنغتون بوست وبتروليوم-إيكونومست وبروكنجز وهارفرد وكولومبيا وغيرها.

التراث العراقي .. الى اين؟

استضافت مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 20 ديسمبر 2017 الاستاذ نعمان منى في امسية ثقافية تحدث فيها عن التراث العراقي المادي والمعنوي وتحديات الحفاظ عليه .

الاستاذ نعمان منى، معماري استشاري، ولد في العراق ودرس العمارة في بريطانيا. عضو المجمع الملكي للمعماريين البريطانيين RIBA ونقابة المهندسين العراقيين. عمل في عدد من المكاتب المعمارية البريطانية وشغل منصب مدير عام في اخرها. عمل في العراق في منتصف السبعينات في مكتب رفعة الجادرجي ثم مع معاذ الالوسي وافتتح مع د. جاسم الدباغ مكتب "منى والدباغ" للاستشارات المعمارية الى ان اضطر للعودة الى بريطانيا في عام 1980. تعاقد مع البنك المركزي العراقي في عام 2011 لإدارة مشروع المبنى الجديد في بغداد والذي صممته المعمارية العراقية زها حديد. ساهم في التفاوض لتحديد شروط التعاقد مع مكتب زها حديد وفريقها الاستشاري ثم الاشراف على عملية اعداد التصاميم المعمارية والهندسية للمرحلتين الأولى والثانية. اصدر عام 2016 كتاب "الأسس العملية للإدارة المشاريع والعمل الهندسي" عن مركز البيان للدراسات والتخطيط. له مساهمات واسعة في العمل المدني حيث ساهم في تأسيس المنتدى العراقي في بريطانيا عام 1987 وكان رئيس هيئته الإدارية لعشر سنوات. كما عمل متطوعا في جمعية الامل العراقية التي تأسست عام 1992 وكان رئيس مجلس امنائها الى عام  2015.

المقدمة :

ابتدأ الاستاذ نعمان منى محاضرته بالتنويه قائلا ؛هذه المداخلة لاتعني بجرد قائمة التراث العراقي اوالحديث عن توصيفات المخلفات الاثرية والتراثية .. بل انها محاولة لوصف واقع التراث وما آل اليه هذا الارث الكبير .. انها محاولة للخوض في بعض الاسباب التي ادت الى تدهور وفقدان بعض معالم التراث والتجارب الايجابية في المحافظة عليها او توثيقها.

الاثار هي:

  • ·"ما خلفه الإنسان من أثر مادي ملموس .. ومضى عليه فترة طويلة من الزمن .. وترك بقصد أو بغير قصد .. (اي غير مملوك اومستعمل في الوقت الحالي) .. ويتمثل في المباني والعملات والأواني والأدوات والكتابات القديمة والرسوم وغيرها

المادة 4 من الفصل الاول - القانون 55 لسنة 2002: تحدد ثلاث مجموعات من التراث الاثري :

  • الفقرة سابعا – الاثار: الاموال المنقولة وغير المنقولة التي بناها او صنعها او نحتها او انتجها او كتبها او رسمها او صورها الانسان ولا يقل عمرها عن 200 مئتي سنة وكذلك الهياكل البشرية والحيوانية والنباتية
  • الفقرة ثامنا – المواد التراثية: الاموال المنقولة والاموال التي يقل عمرها عن 200 مئتي سنة ولها قيمة تاريخية او وطنية او قومية او دينية او فنية، يعلن عنها بقرار من الوزير.
  • الفقرة تاسعا – الموقع التاريخي: الموقع الذي كان مسرحا لحدث تاريخي مهم او له اهمية تاريخية بغض النظر عن عمره.

التراث اعم واشمل

  • فهوكما عرفه معجم المعاني الجامع : "كلّ ما خلّفه السَّلف من آثار علميّة وفنية وأدبيّة ، سواء مادِّيَّة كالكتب والآثار وغيرها ، أم معنوية كالآراء والأنماط والعادات الحضاريّة المنتقلة جيلاً بعد جيل، مما يعتبر نفيسًا بالنسبة لتقاليد العصر الحاضر وروحه"
  • وهو بذلك تأكيد على العلاقة العضوية بين الماضي والحاضر .. وتأكيد على الارتباط الروحي مع الماضي .. كأساس لتكامل الهوية الوطنية التي تبنى على هذا الاساس.
  • ومنه نستنبط الاحساس بعمق حضارتنا وطبيعة مجتمعنا ومكوناته وتنوعه. وبذلك يصبح الاداة لبلورة شخصيته
  • وله ايضاً بعداً عالمياً كأساس لتكامل الهوية الانسانية.
  • اضافة لكل ذلك هو ثروة وطنية كبيرة ممكن ان تكون جزءا من الاقتصاد الوطني الحي اذا استحسن التخطيط لذلك

يقسم التراث الى قسمين:

  • مادي: من مباني الى كتب – ومن معدات الى نقود وثروة طبيعية
  • ومعنوي: من فنون الى ثقافة وعادات اجتماعية كالمقام العراقي مثلا

ويعتبر وادي الرافدين (مابين النهرين Mesopotamia ) – العراق وبعض اطرافه حاليا – مهد الحضارات

  • التراث الذي نبع في وادي الرافدين غذا الحضارة العالمية في عصور عديدة
  • وكان السباق في اكشاف
  • العجلة
  • والكتابة
  • ودراسة الطب
  • والعلوم والنجوم.
  • حتى افتخر العراق باول مكتب لتجميع الكتب في العصر الاشوري – واول قانون مكتوب ومن اوائل الجامعات والمستشفيات ان لم يكن اولها في العالم.
  • الباحث والمؤرخ البريطاني مايكل وود Michael Wood طرح في برنامج تلفزيوني من عدة حلقات في بداية التسعينات Legacy: A Search for the Origin of Civilisation طرح فيه ان اصل مايسمى بالحضارة الغربية الحالية يعود الى السومريين والاشوريين – حيث انتقلت حضارتهم الى اليونان ومنها الى الرومان – ثم عادت الى الشرق الاوسط في الحضارة الاسلامية لتنتقل مرة اخرى الى اوربا في عصر النهضة وتستمر بالتطور الى الوقت الحالي.

يذكر الدكتور فاروق الراوي في احدى مداخلاته ان احدى اهم الاسباب لبدأ الحضارة في هذه البقعة وبهذه الصيغة هو كون بلاد النهرين مركزا لأقوام متعددة.

  • هذا الموزايك المتنوع عقائديا وفكريا واثنيا تتشابك فيه المرجعية الدينية بالمرجعية الاثنية
  • ونرى بوضوح ان الكثير من قصص الاديان السماوية وتراثها قد نبعت من الثقافات العراقية القديمة (قصص التكوين – الطوفان وغيرها)

العراق بحق بلد التعددية والتنوع الحضاري والاثني:

  • اقوام مختلفة وثقافات ولغات واساليب حكم متنوعة.
  • تراث فني وادبي – يمكن ان نعود به الى ملحمة كلكلمش والتراث الثقافي السومري والاشوري والبابلي – او العصر الذهبي في بغداد العباسيين وما تلاها

كما ان هنالك اهتمام عالمي بحضارات وادي الرافدين المادية والمعنوية

  • نرى العالم مثلا يهتم بحفظ التراث الموسيقي العراقي كالمكتبة الوطنية البريطانية او مكتبة قطر الرقمية وتهتم اليونسكو بتسجيل المقام العراقي كاحد 150 تحفة من تراث البشرية الشفهي – بينما ينعدم مثل هذا الاهتمام في بلدنا العراق
  • ونرى مجموعة Enheduanna تهتم باعادة الحضارة القصصية الرافدينية
  • وفي برلين وباريس ولندن يقام المعرض المشترك لتراث بابل Babylon Myth and Reality في عامي 2008-2009
  • كما نرى المعهد البريطاني لدراسة العراق BISI يقيم الندوات الشهرية لدراسة حضارة وادي الرافدين
  • Caecilia Pieri تصدر كتابا قيما في 2010 عن العمارة السكنية في العراقBaghdad Arts Deco: Architectural Brickwork 1920-1950 وتقدم ندوة عن الهوية العمرانية لبغداد في BISI في حزيان 2017

العراق وبلاد الرافدين لها نكهة خاصة في العالم الواسع تتمثل باحلام بغداد الرشيد وحرامي بغداد وقصص اكثا كرستي .

  • مؤخرا عرضت محطة BBC فلما وثائقا عن بيرتراند بيل Letters from Baghdad بمناسبة الذكرى المؤية لاحتلال بغداد – تباع الان بقرص اللكتروني
  • ومن الظريف ان خط السفر بالقطار Orient Express من اوربا الى تركيا توسع ليستمر الى بغداد في 1930 مع تغير القطار في تركيا. وفي 1940 اصبحت الرحلة متكاملة من اوربا الى بغداد من دون تغير.

وعلى النطاق العالمي ايضا يهتم اليونسكو بالتراث العراقي بشكل خاص:

  • رسالة اليونسكو هو "بناء السلام في عقول الرجال والنساء".
  • وهذا الشعار هو انعكاس لهدفها ""... على إيجاد الشروط الملائمة لإطلاق حوار بين الحضارات والثقافات والشعوب على أسس احترام القيم المشتركة. فمن خلال هذا الحوار، يمكن للعالم أن يتوصل إلى وضع رؤى شاملة للتنمية المستدامة، تضمن التقيد بحقوق الإنسان، والاحترام المتبادل، والتخفيف من حدة الفقر، وكلها قضايا تقع في صميم رسالة اليونسكو وأنشطتها."
  • فالحفاظ على التراث العالمي يساعد على خلق البيئة المناسبة لبناء السلام.
  • المشكلة تتعلق بمتطلبات الحفاظ على التراث والتي يجب ان تلتزم بها الحكومة العراقية.

وقد انظم العراق الى اليونسكو في 21 تشرين الاول / اكتوبر 1948

  • وتقدم اليونسكو مساعدات مستمرة في عدد من المواضيع التراثية والانسانية
  • وهنالك عدد من المواقع الاثرية المشمولة بالقائمة الموقته لمواقع التراث العالمي (مؤشرة بالاحمر). كما سجلت اليونسكو عدد من المواقع الاخرى (مؤشرة بالازرق) في قائمة التراث العالمي والتي سنأتي عليها تباعا.

1-      مملكة الحضر:

  • من أقدم الممالك العربية في العراق والتي تمركزت في مدينة الحضر.
  • ظهرت المملكة في القرن الثالث الميلادي وحكمها أربعة ملوك استمر حكمهم قرابة المائة عام.
  • وتشهد آثارات هذه المدينة، ولاسيما المعابد التي تمتزج فيها الهندسة المعمارية الهلينية والرومانية بالزخرفة الشرقية الخلابة، على عظمة هذه الحضارة ورقيّها
  • اخيرا تعرضت الحضر الى حملة تهديم وتلف من قبل عناصر الدولة الاسلامية - داعش

2-      سامراء:

  • المدينة التراثية التي كانت مركزا للامبراطورية العباسية لاكثر من قرن. وتعتبر اثارها من التراث المهدد حسب تسجيل اليونسكو.
  • وقد لعبت اليونسكو دورا رائدا في عملية ترميم المسجد العسكري (الامامين علي الهادي والحسن العسكري والامام المختفي محمد المهدي) بعد استهدافه من قوى ارهابية مسلحة في 22 شباط 2006 ومرة اخرى في 13 حزيران 2007، اضافة الى المساهمة في استعادة الاستقرار واستكمال الحوار الداخلي.
  • تأكد اليونسكو على ان "التراث الثقافي .. (بكل اشكاله) .. يمثل في الوقت عينه أداة للتواصل والحوار، ويمهد، فيما اذا تم استخدامه بشكل بناء، للمصالحة الوطنية والسلام. .. فهذه القوة الابداعية .. تكتمن على كنز من المصادر التي تستوحي منها المجتمعات وتهتدي بها"

3-      أشور:

  • اصبح مأهولة بالسكان بحدود 2500 قبل الميلاد.
  • قداستها الدينية ضمنت استمرارها الى ان دمرها البابليون في 614 ق.م
  • اضافة الى ادراجها في قائمة التراث العالمي فقد ضم الموقع الى الى قائمة التراث العالمي المهدد بسبب بدأ الحرب في 2003
  • اكتشف اللوح الذهبي في احدى الاسس لمعبد اشور وهو عبارة عن وثيقة اعمار تعود الى الفترة 1243-1207 قبل الميلاد

4-      قلعة اربيل:

  • تحتوي القلعة على ادلة تعود الى 8000 عاما. ولهذا تعتبر الموقع الاقدم في العالم من حيث استمرارية السكن فيه
  • وفي القلعة طبقات مختلفة تعود الى الحضارات الاشورية والاكدية والبابلية والفارسية واليونانية.
  • تشارك اليونسكو في ترميم واعادة تأهيل القلعة اضافة الى برنامج تدريب مهندسين من كردستان من ضمن مذكرة مفكرة التفاهم بين اليونسكو وحكومة الاقليم.

5-      الاهوار:

  • تعتبر اهوار العراقمن الموروث الحضاري والطبيعي.
  • فهي "ملاذ تنوع بايولوجي وموقع تاريخي لمدن حضارة مابين النهرين" كما تصفها اليونسكو. اي انها تتضمن عنصرين: "عراقة التاريخ وغنى الطبيعة".
  • وتأكد اليونسكو على ضرورة قيام المسولين العراقيين توفير الضروف الملائمة للسياحة العالمية
  • الاهوار المشمولة هي الاهوار الوسطى وهور الحمّار الشرقي وهور الحمّار الغربي وهور الحوزة.
  • عانت الاهوار، التي كانت مساحتها 15 الف كيلو متر مربع، من التجفيف المتعمد بقرار من صدام حسين اثناء الحرب العراقية الايرانية بحيث انحسرت مساحتها الى مايقارب العشر.
  • وبجهود شخصية ومشاركة السكان والمنظمات العالمية اعيدت الحياة الى بعض اجزائها.

6-      اوروك – اور – اريدو

  • اشتمل قرار اليونسكو بتسجيل الاهوار ضمن التراث العالمي على اضافة مواقع لمدن سومرية هي اوروك (الوركاء) واور واريدو
  • ·اوروك:
  • وتعرف حاليا بالوركاء. وفي التورات أرك. ويقال ان كلكامش بنا المدينة
  • كانت مأهولة بالسكان في الالف الرابع قبل الميلاد. وتعتبر اوروك من اكبر الدويلات السومرية في جنوب العراق ومن اكبر مراكز الاستيطان في عصر فجر السلالات. وهي اول مركز حضاري في العالم. ومن اهم مراكز اختراع وتطور الكتابة المسمارية.
  • ·اور
  • اسس المدينة مستوطنون مزارعون في الفية الرابعة قبل الميلاد
  • انتهى هذا الاستيطان بفيضان الفرات والذي يعتقد انه الفيضان المذكور في المتب السماوية
  • ثم اصبحت اور عاصمة جنوب العراق باكمله في القرن 25 قبل الميلاد
  • ·اريدو
  • المدينة الاقدم في سومر تبعا لقائمة الملوك
  • تمثل عمارة المعابد فيها نمو وتطور عمارة الطابوق
  • بقت المدينة مسكونة الى حدود 600 ق م

التراث المفقود

  • نستطيع ان نجزم ان العراق قد فقد الكثير من تراثه المادي ولم يفلح في اظهار تراثه المعنوي كمرجع ثقافي ورابط للنسيج الهوية العراقية
  • تاريخيا والى الان: التهديم والتلف كثير – والاهتمام الرسمي محدود  بمراجع ضيقة - والثقافة العامة متدنية ومؤطرة بخلفية فكرية بدوية. ويمكن ايجاز اسباب ذلك في عدد من النقاط هي :
  1. الحروب
  • لم يخلوا تاريخ العراق من الحروب من تـأسيس الدويلات والامبراطوريات في وادي الرافدين مرورا بالعهد الاموي والعباسي والاحتلال الفارسي والمغولي والتركي والعثماني وصولا الى الاحتلال البريطاني قبل مئة عام.
  • ثم مر العراق حديثا بعدد من الحروب المدمرة ماديا وبشريا – مع ايران وحتلال الكويت وحرب الحلفاء لاخراج القوات العراقية من الكويت ثم حرب 2003 وتغير نظام الحكم
  • يجب ان لاننسى ايضا الحروب الداخلية والانقلابات وماجرت على العراق من خراب اضافة الى الخسارة البشرية
  • صدر في لندن قبل عدد من السنين كتاب بعنوان Baghdad City of Peace City of Blood يؤشر الى استمرارية الصراع الدموي والخراب منذ تأسيس بغداد
  1. التخريب المتعمد
  • لم يكن نظام داعش الاول في التخريب المتعمد للتراث العراقي من ضمنه التراث الاسلامي
  • اثناء ومباشرة بعد حرب سنة 2003 قامت مجاميع عديدة بالتخريب والسرقة موجهة اساسا ضد التراث والمعتقد والطائفة - كتفجير تمثال المنصور وتخريب وحرق دار الكتب والوثائق الوطنية او تفجير شارع المتنبي ومرقد الامامين في سامراء. هذه نبذة صغيرة جدا عن الخراب المتعمد
  1. التخريب بهدف الالغاء

هنالك ايضا تخريب اخر – تخريب رسمي نابع من عدم الاكتراث او محاولة الغاء المدلول التاريخي للمادة التراثية.

  • تماثيل العهد الملكي ازيلت وكأن الملكية ليست ضمن السياق التاريخي للدولة العراقية الحديثة. (اعيد بعضها لاحقا)
  • قصر الرحاب الملكي – او قصر النهاية سئ الصيت - استعمله البعث كسجن ومقر لتعذيب المعارضين في 1963 وبعد انقلاب 1968 هدم حتى لايكون دليلا على اجرام البعث
  • نصب الجندي المجهول ازيل لارتباطه بالنظام الجمهوري وحكم عبد الكريم قاسم
  • الغي نصب وساحة ثورة العشرين في النجف لبناء مجسرات بدون اية التفاتة لما تمثلها ثورة العشرين لتاريخ النجف والعراق ككل
  • تعرض مزار الكفل الى تغير في محاولة لالغاء التراث اليهودي في المزار بالرغم من اعتراض هيئة الاثار والتراث
  • التحريف الذي قام به صدام عندما بنى قصره على اطلال بابل التراثية واعاد بناء بعض جدران المدينة بدون اي اعتبارت للاسلوب العلمي لترميم المباني التاريخية - واضعا اسمه على الطابوق في اسفل الجدار – مما حدى باليونسكو من رفع بابل من القائمة الموقتة
  1. السرقات
  • على مايظهر السرقات من المواقع الاثرية مازالت مستمرة ولربما في كل المواقع
  • ولكن هنالك سرقات منظمة من عصابات لها ارتباطات عالمية
  • Hobby Lobby مخزن تجاري في امريكا – غرم 3 مليون دولار في تموز 2017 لاستيراده 5,500 قطعة اثرية من العراق عن طريق الامارات واسرائيل بوثائق مزورة
  • في عام 2003 تعرضت جميع مواقع الاثار والتراث الى السرقات العشوائية والمنظمة
  • قيثارة اور : سرقت عام 2003 من المتحف العراقي واعيدت مقطعة الاوتار وبدون الذهب المرصعة به
  • اناء الوركاء: سرق من المتحف العراقي عام 2003 واعيد الى المتحف بجهود محلية
  1. الاهمال والتلف
  • النسيج الحضري لمدننا التراثية يتدهور بوتائر متسارعة
  • المعالم الثقافية تصبح مخازن من الدرجة الثالثة!
  • شوارعنا اصبحت قذرة ومهملة حتى قرب معالمها الرئيسية والدينية
  • الاهمال شعبي ورسمي

 شارع الرشيد .. ومن امثلة الاهمال والتلف الاكثر وضوحا

  • هل نقرأ الفاتحة على اهم شارع في بغداد - شارع الرشيد ؟ انظرو الى ساحة حافظ القاضي!
  • احتفلت بغداد بالذكرى المئوية لشارع الرشيد في كانون الاول 2016 امام تمثال الرصافي. بعد الاحتفال عادت حليمة الى عادتها القديمة!!
  • قالت امينة بغداد – ذكرى علوش – في بيانها بالمناسبة: إن الاحتفال "سوف يكون نقطة انطلاق لإعادة الحياة إلى شارع الرشيد".
  • ولكن في ايلول 2017  وجدت شارع الرشيد يتألم من البيانات الرسمية

قصر الحاج عبد الواحد سكر .. من امثلة الاهمال والتلف

  • عبد الواحد ال سكر احد شيوخ الفرات الاوسط ومن قيادي ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني
  • شيد القصر في المشخاب في المشخاب عام 1942 بطراز ارت ديكو. وزاره الملك فيصل الثاني بعد تتوجيه في 1953
  • المنطقة والمضيف لها موقع مميز في تاريخ تكوين الدولة العراقية الحديثة. كان ثوار الفرات الاوسط يلتقون في مضيف الشيخ عبد الواحد
  • القصر متروك وكان يعاني من الاهمال عندما زرناه في 6/4/2012
  • هدم المضيف وبني بدله غرفة من الطابوق او الكونكريت مملوءة بذكريات ال سكر ولكنها تفتقد لاي صفة معمارية حضارية ناهيكم تراثية

الثقافة التراثية العامة:

  • ·شيد سكان القسم الجنوبي من وادي الرافدين بيوتهم من قصب
  • ·وشيد العراقيون من سكنة الجنوب بيوتهم ومضايفهم من القصب
  • ·وشيدنا بديلا عنها عمارة من الطابوق والكونكريت تقتبس من التراث اسوأ التركيبات المقززة

حماية التراث:

  • هنالك عدد من القوانين التي تعني الباحث في في شؤون التراث نخص منها:
  • قانون الهيئة العامة للاثار والتراث رقم 45 / 2000 الذي الغى دائرة الاثار والتراث وجعلها هيئة
  • قانون الاثار والتراث رقم 55 / 2002 والذي نظم عمل هيئة الاثار والتراث وكل مايتعلق بهذا الموضوع
  • قانون انظمام العراق الى اتفاقية اليونسكو رقم 12 / 2007 مع نص الاتفاقية بشأن حماية التراث الثقافي غير المادي

قانون الاثار والتراث :

  • يهدف القانون الى
  • الاولى هي تأكيد اعتبار الاثار والتراث من اهم الثروات الوطنية التي يجب صيانتها والحفاظ عليها
  • وثانيا الكشف عن الاثار والتراث والتعريف بها وطنيا وعالميا خصوصا فيما يتعلق بالدور المتميز لحضارة العراق في بناء الحضارة الانسانية
  • لم نجد بشكل عام تفهم كامل لهذين الهدفين رسميا. كما يحتاج القانون الى مراجعة نقدية لتحديثه
  • من الاشكاليات التي اثارها وكيل وزير الثقافة ومدير الهيئة العامة للاثار والتراث، الاستاذ قيس حسين رشيد هي تشتت المسؤوليات لادارة وصيانة المباني التراثية بين عدد من المؤسسات الرسمية مع ضعف التنسيق بينها: هيئة الاثار والتراث - وزارة الداخلية - الاوقاف والشؤون الدينية - امانة بغداد.
  • ·ومن المهم الاشارة الى ان القانون يقضي بوجود سجل خاص "تسجل فيه الابنية والمناطق والاحياء السكنية ذات الطابع المعماري التراثي لاهميتها التراثية العربية والاسلامية .." (المادة 23 – ثانيا) ..ولايجوز التجاوز على الابنية التراثية المسجلة (المادة 28 – اولا – 1) .. ولكن لماذا الـتأكيد فقط على العربية والاسلامية ؟؟

المتاحف العراقية:

  • تعتبر المتاحف مرآة او مأشر لتراث البلد المعين – وفي بعض الاحيان مؤشر للتراث الانساني
  • القائمة الرسمية للمتاحف الاثرية والتراثية في العراق تشير الى تزايد عدد المتاحف بعد عام 2003 بالرغم من انها لاتشمل بعض المتاحف مثل متحف خان الشيلان في النجف او المتحف الحضاري في المثنى والذي افتتح في اكتوبر / تشرين الاول 2017
  • كما زاد الاهتمام بالمقتنيات الاثرية في العتبات الدينية والمتوقع ان تفتتح كمتاحف كما هي الحال في المتحفين في كربلاء
  • ·مع كل هذا مازلت اعتقد ان تغطية الكم الهائل المتوفر من التراث والاثار التي تغطي 8000 سنة او اكثر وتمثل احدى البذرات الاولى للحضارة الانسانية اقل مما يجب ان يقدم الى العراقيين والعالم

المتحف الوطني العراقي:

  • المتحف الوطني هو اول المتاحف في العراق – تأسس في 1926
  • جمعت البريطانية كيرترد بيل مجموعة من التحف الاثرية وعرضتها في حيز بالقشلة 1923- 24.
  • عند افتتاح المتحف في شارع المأمون عام 1926 عينت بيل مديرته الاولى. ثم انتقل الى الموقع الحالي عام 1966.
  • وقد تعرضت الكثير من المحتويات الى السرقة والتخريب بعد الحرب عام 2003
  • افتتح المتحف مرة اخرى ومازالت الترميمات فيه مستمرة الى الان

الاعلام التراثي :

  • يصدر عن وزارة الثقافة وهيئة الاثار والتراث وبعض المؤسسات العلمية عدد من المطبوعات الدورية او الالكترونية والتي تعتني بالثقافة والتراث
  • الكثير من هذه الاصدارات مخصصة للباحثين بينما يبقى الاعلام العام تقريبا معدوم
  • في زيارة الى المتحف العراقي هذا العام لم اجد اية مطبوعات تعريفية بالمتحف والكتب المعروضة للبيع شحيحة او متخصصة
  • سألت جميع الذين التقيتهم من الاقارب والمعارف في النجف وتبين لي بان الغالبية لاتعرف اي شئ عن خان الشيلان وهو متحف التراث النجفي وفقط واحد من الذين سألتهم كان قد زار المتحف.
  • بالرغم من الاهتمام الحالي بتأسيس المتاحف الا ان الاهتمام بالاثار والتراث في اسفل الاولويات الرسمية ولم يصل الى مناهج التعليم بالشكل الذي يجعله ثقافة مجتمعية.
  • لابل ان الثروة التراثية تهدر يوميا حتى من قبل المسؤولين عنها، كما شاهدنا، من دون اية حركات احتجاجية او تدخل قضائي رادع

مجلة بين النهرين

من 1973 الى 2015

صدرت من 1961 وما زالت تصدر في 2016

 

السياحة التراثية:

  • وضعف الثقافة التراثية او الاهتمام بها ينطبق على الحركة السياحية في العراق
  • قانون هيئة السياحة رقم 14 لسنة 1996 يلزم الهيئة بتطوير جميع انواع السياحة من ضمنها السياحة التاريخية والتراثية والدينية والطبيعية.
  • وتلاحظ اليونسكو ضعف هذا الجانب من العمل السياحي عندما تقول "وتعتبر الخريطة الثقافية المتعارف عليها حالياً محدودة نسبياً، حيث تنحصر على بعض المعالم التراثية والمتاحف. ومن الضروري استكمال هذا النشاط الفائق الأهمية والذي يتم بإشراف وزارة الثقافة العراقية من خلال توسيع دائرة مسح المواقع والموارد السياحية"
  • زيارة الموقع الالكتروني لهيئة السياحة يشير بوضوح الى احادية التوجه السياحي واهمال تام للسياحة الاثرية والتراثية

مواقع السياحة التراثية:

  • الموقع الالكتروني يؤشر الى قطاع الساحة في كل محافظة
  • السياحة الدينة اختزلت بتسع محافظات وعلى ثلاثة اديان فقط.
  • ولايوجد اي ذكر للتراث الديني والحضاري لليهود او اليزيديين العراقيين؟

السياحة التراثية في اقليم كردستان:

  • ثم نرى ان السياحة في كردستان العراق (اربيل والسليمانية ودهوك) محصورة بالسياحة الطبيعية – للونسة فقط !! –
  • ولاذكر لقلعة اربيل او اثار الاشوريين والبابلين. ولا التراث الفني الذي انتعش في هذه المناطق
  • كما اننا لانجد اية سياحة بالاطلاق في ستة محافظات. ولاتوجد فائدة من تعداد التراث الضاهر والمخزون في هذه المحافظات
  • والملاحظ من هذه الجداول انها لاتشير الى اية سياحة اثرية او تراثية في اي محافظة بالرغم من وجود حقل لذلك في القائمة. فأين بابل واور ونيننوى؟ واين المستنصرية والقشلة والاهوار؟ الخ

احياء التراث :

قبل الانتهاء لابد من التطرق الى بعض المحاولات الايجابية على الصعبد الرسمي او الاهلي لاحياء بعض ملامح التراث الشعبي اوتاريخنا البعيد والقريب. ومنها

شارغ المتنبي والمضيف البغدادي:

  • بالوقت الذي تمحى اثار البناء بالقصب قامت صفية السهيل وزوجها بختيار محمد امين بمبادرة فريدة هي بناء مضيف ريفي في سكنهم في بغداد والذي استعملوه للفعاليات الثقافية واستقبال الضيوف – عراقيين واجانب.
  • ومن المفرح انهم اثثوه بصناعات يدوية شعبية من التراث العراقي.
  • والكل يتذكر التفجير الارهابي الذي اطال شارع المتنبي في محاولة لقتل الفكر.
  • فقد قامت امانة بغداد بترميم الشارع بسرعة نسبية اذا اخذنا الضروف بنظر الاعتبار.
  • وبالفعل عاد شارع المتنبي ليكون شارع الكتاب والفكر وشارع الشباب كل يوم جمعة وبوتائر اقوى من السابق

احياء التراث للنشاط الثقافي :

  • تقع قرب شارع المتنبي بعض المباني الحكومية العثمانية والتي استعملت من قبل الادراة البريطانية بعد 1917 ومن ثم بدايات الحكم الوطني
  • رممت الكثير من هذه المباني لتصبح مراكز ثقافية مكملة لنشاطات شارع المتنبي. علما ان عملية الترميمي لبعض المباني بدأت قبل 2003
  • القشلة: حيث تقام الفعاليات الموسيقية والثقافية على شكل حلقات في الحديقة
  • سوق السراي
  • السيراي: يفتح الان ابوابه للزوار
  • بيت الوالي: انظر الى بداية التهديم ؟؟
  • الصورة الاخيرة بدون تعليق! وهي موجودة في احدى الازقة مقابيل السراي
  • الاعدادية العسكرية والمحاكم المدنية تحولت الى المركز الثقافي البغدادي. من المحزن انهم رفعوا الطابوق الفرشي من المدخل ووضعوا بدله الكاشي الحديث
  • ومن الملاحظ ايضا اسلوب وضع قطعة الاسم على المبنى
  • اثناء الترميم – بعد الترميم – حاليا
  • وضعت القطعة بشكل فج لايناسب المبنى التراثي حجما وموقعا
  • في هذه المنطقة – من شارع المتنبي الى الميدان – كم هائل من التراث – بمبانيه وازقته – متروكة للتاكل والتلف

مبنى خان الشيلان في النجف:

  • افتتح خان الشيلان كمعرض لثورة العشرين والتراث النجفي في شباط 2014.
  • بني الخان عام 1899 لاجل استضافة الزوار الوافدين الى النجف
  • وبضعف الدولة العثمانية سيطر اهالي النجف على الخان عام 1915 واتخذوه مقرا للسلطة المحلية. استمر الحكم الذاتي النجفي الى 1917 عند دخول الجيش الانكليزي الى النجف
  • ثم اندلعت الثورة النجفية الكبرى في 1918 واستطاع الثوار قتل الحاكم البريطاني. الا ان الجيش البريطاني استطاع اخماد الثورة واعدام احد عشر ثائرا في داخل خان الشيلان وهم الذين قاموا بقتل الحاكم.
  • بعد اندلاع ثورة العشرين استعمل الخان لحجز الاسرى البريطانيين والهنود من معركة الرارنجية (167 جندي وضابط) الذين بقوا هناك لمدة اربعة اشهر.
  • تتنوع المعروضات ووسائل العرض في هذا المتحف بين ماهو مرتبط بثورة العشرين ووثائقها وبين التراث النجفي من خلال المقتنيات الشعبية
  • وفي قاعة الاسرى نرى بصمات الجنود مكتوبة او مرسومة على الجدران. وكأي اسرى نراهم يسطرون حنينهم لبيوتهم واهلهم او يرسموا صور الاحباب
  • واحدى اهم الوسائل التي اعتمدها المتحف لتسجيل تراث الثورة هو رسوم الباناراما التي تجسد ثورة العشرين. ولم يتناسى المسؤولون دور المرأة في هذه الثورة
  • مع كل هذا النجاح هنالك اخفاقات تصميمية وادارية
  • فمع الاسف وضع قسم من عناوين القاعات باسلوب غير حرفي
  • كما ان الضوء والاضاءة لم تكن مناسبة في كل الاحيان
  • المتحف يفتقد الى الشروحات التثقيفية للمعروضات ناهيك عن عدم استعمال اكثر من لغة بما يتناسب مع طبيعة الزوار لمدينة النجف.
  • لاتوجد اية مطبوعات او كتيبات او كارتات تذكارية ولاتوجد خطة دعائية مهنية لزيارة المتحف
  • مؤخرا بدأ التصدع الانشائي يبرز في خارج وفي داخل المبنى اضافة الى ضهور الارضة في بعض الجدران – الارضة عدوة الاثار!!

الخلاصة والاستنتاجات

  • يملك العراق كم هائل من التراث والاثار تعود الى اكثر من 5000 سنة قبل الميلاد
  • يتصف تراث وادي الرافدين والعراق الحديث بالتنوع الاثني والثقافي والديني
  • التراث العراق اصبح محط اهتمام واسع كونه جزء رئيسي من التراث العالمي
  • بالرغم من القوانين والتعاليم الرسمية، استمر التراث بالتدهور والتلف بسبب الحروب والاهمال وانعدام ثقافة الحفاظ على التراث والتدمير المتعمد
  • لاتوجد خطة واضحة ومعتمدة للحفاظ على التراث ترتكز على قاعدة قانونية وتشتمل على تسجيل التراث والرقابة والترميم والعرض والاعلام ونشر الثقافة التراثية
  • التجارب القليلة في في حفظ التراث تشوبها الكثير من السلبيات

واختتم الاستاذ نعمان منى محاضرته بالقول ..شكرا على استماعكم متمنيا ان تكونوا قد استفدتم من هذه المداخلة.

قصر شعشوع في مؤسسة الحوار الانساني بلندن

قدمت الدكتور فاتنة الهاشمي يوم الأربعاء 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2017 في مؤسسة الحوار الانساني بلندن محاضرة شيقة تناولت فيها سيرة اثر عراقي عبر رحلة في تاريخ المكان،حيث تناولت "قصر شعشوع" وتاريخه منذ إنشائه وحتى الآن،. وقالت الهاشمي في بداية محاضرتها إن هذا القصر يعد معلماً من معالم العمارة العراقية من جانب، وكان أول قصر لاول ملك في تاريخ العراق الحديث الملك فيصل الأول، كما سكنه بعد ذلك شخصيات وطنية مهمة مثل الزعيم الوطني جعفر أبو التمن في فترة لاحقة.

المقدمة

اشارت د. فاتنة الهاشمي أن بغداد احتضنت عبر تاريخهامعالم تراث رائع وعريق تزينت به حتى كان لها سمه خالده يزداد جمالا كلما استيقظت عليه ذاكرة الزمن ومن معالم تراثها قصر شعشوع الذي تحاكي زخارفه صباحات بغداد المتناغمة مع ضفاف دجلة ونسماته العبقة .

ولطالما حلمت ان اراه واتجول في اروقته فتحقق لي ذلك، وبعد زيارتي الاولى للقصر واعجابي به وددت ان اجري دراسه ميدانية عنه لكونه ارثا حضاريا لبغداد الحبيبة ومما زاد اهتمامي به تواصلا ان خالي جعفر ابو التمن قد سكنه لمده ثماني سنوات وقد اجرى عليه بعض التعديلات والاضافات في الفترة التي كان يسكن فيه بعد ان هوت بعض اركانه المطلة على نهر دجلة بسبب الفياضات المتكررة، فكانت لأمي فيه من ذكرى جميلة لكونها قد زفت الى بيت الزوجية من هذا القصر. ورغبة مني في تقديم نبذة عنه اضع هذا الجهد المتواضع بين أيديكم املة ان ينال استحسانكم ورضاكم ..

هذا القصر بني في الفترة الممتدة بين عامي 1906 و1908، على يد الثري اليهودي العراقي شاؤول شعشوع، وتمت إعادة إعماره أكثر من مرة خلال الأربعينيات والخمسينيات، ومن ثم سكنه أيضاً لفترات عدد من وجهاء بغداد آنذاك من بينهم إبراهيم النقيب، وصبيح نشأت وشاكر الوادي واستخدم أيضاً كنادٍ لفترة، وذكرت د. الهاشمي موضحة أن خالها المرحوم الحاج جعفر أبو التمن كان قد استأجر القصر المذكور لسنوات عديدة لسكنه، وكان رسم إيجاره السنوي (150) دينارا سنوياً. وفي سنة 1952 استملكته عائلة بيت بنية بمبلغ خمسة آلاف دينار عراقي وما زال في عهدتها حتى الآن.

وقد عرضت الهاشمي عشرات الصور للقصر، خلال المحاضرة مؤكدةً أنه كان رمزاً من رموز الفخامة العمرانية، إذ بني على مساحة 4 آلاف م2، ضاع منه بحدود ألف م2 في الفيضانات التي اجتاحت بغداد في خمسينيات القرن الماضي، إلا أن القصر ما زال محافظاً على بنيته المعمارية البادية في الزخارف التي حفرت بشكل يدوي في أغلب جوانب القصر، فضلاً عن الحديقة التي صممت بإتقان، وبتنسيق ينم عن ذوق وفخامة قصر كهذا.

قصر شعشوع

مازال البغداديون يرددون المثل الشائع، عندما يشرع أحدهم ببناء بيت له، وقد أنهكه وأستغرق وقتا طويلا في بنائه، فيقال له (قابل دتبني قصر شعشوع) حقا.. أنه مازال شاخصا الى الآن، فهو قصر مطل على نهر دجلة في منطقة الكسرة بجانب الرصافة، ذلك القصر القديم الذي عرف في بنائه ولأول مرة في بغداد، (الطابوق الآجر والسمنت والشيلمان)، حيث كان يستخدم في بناء البيوت، الطابوق المصنوع من الطين أو مايسمونه (اللبن) ويسقف بالصرائف والبواري الخشبية. ورغم شيخوخة القصر، ومضي

(110) اعوام، على بنائه ، لكنه مازال شامخا ويافعا بفخامته وروعة غرفه الفارهة، المرتفعة سقوفها، والمحاطة بالشبابيك من كل جوانبها، وبالكوناتها وشرفها، وشناشيلها العلوية المتكئة على الأعمدة الدائرية المنقوش على رأسها، رسوم هندسية متناسقة في التصميم على غرار الطراز البغدادي القديم.

صاحب القصر، مازال الى الآن، يبذل جهوداً مضنية، للعناية بحديقتي القصر، الأمامية، والخلفية المطلتين على دجلة، كأنهما لوحتان فنيتان غاية في الروعة، من تناسق ألوان الزهور المحفوفة بأشجار المتسلق والظل النادرة، فيما يقع على الجوار من قصر شعشوع، البلاط الملكي، حيث كان يتخذه الملك فيصل الأول، قصرا للدولة الملكية، وحكومتها ووزرائها وأعيانها، غير أن النظام السابق، عمد الى هدمه، وأتخذ بناية عرفت بـ(نادي القادة) بدلا عنه.

محطات في تاريخ قصر شعشوع

بنى القصر كما ذكرنا التاجر اليهودي (شاؤول شعشوع)، وسمي القصر نسبة الى مالكه، وكانت مساحة القصر، قبل فيضان دجلة نحو أربعة آلاف متر، وبعد أن غرق القصر العام1927 تهدمت الأبنية المطلة على نهر دجلة وأصبحت مساحته ثلاثة آلاف متر. وقد سكنه مالكه (شعشوع) بعد الأنتهاء من بنائه الذي أستمر نحو عامين، وشغله منذ العام1908 وحتى العام1920 ليتخذه الملك فيصل الاول مسكناً شخصياً له ولعائلته، بعد وصوله الى العراق، وبقي فيه بعد تتويجه ملكا على العراق، حتى تعرض القصر الى الغرق، بسبب تسلل مياه دجلة وعرفت الحادثة بـ(الكسرة) المشهورة في المنطقة المحيطة بالقصر، ثم أتخذ بلاطاً ملكيا الى العام1929 خلال وزارة ناجي السويدي، وبصورة مؤقتة، بعد أن غرق البلاط الملكي المجاور للقصر، ثم أنتقلت اليه (فرحة شعشوع) للسكن فيه العام1931 ثم أشغله الزعيم الوطني، جعفر أبو التمن العام1934، وبقي فيه حتى العام1942 ثم أشغله من بعده النائب صبيح نجيب، للسكن فيه وعائلته حتى العام1945 وجاء من بعده، أبراهيم الجيبة جي، صهر وزير الدفاع شاكر الوادي، ليسكنه وعائلته، وأخيرا أشتراه أحد تجار بغداد ووجهائها، من العوائل البغدادية المعروفة، ويدعى الشيخ أحمد بنية بمبلغ خمسة الاف دينار العام1952 وسكن فيه وعائلته حتى يومنا هذا.

شعشوع وثلاثة قصور

ذكرت د. فاتنة الهاشمي ان الباحث التراثي والحقوقي عباس بغدادي، كان قد تحدث فيما مضى عن قصور بغداد مبينا: كان البيت الكبير ذو الواجهة الأمامية الفخمة والذي يطل على نهر دجلة مباشرة، يسمى قصرا، أما اذا كان داخل المدينة ومهما بلغت درجة فخامته، فلا يسمى قصرا، انما يطلق عليه لقب (بيت ديارهي) أو مايسمى (بيت تندق له النوبة) أي سلام الأمراء اظهاراً للأحترام، لذلك فأن أكبر وأضخم قصر في بغداد، كان قصر كاظم باشا، الذي أتخذ، مقرا للمندوب السامي البريطاني، أي السفارة البريطانية في محلة الكريمات في الكرخ.

ثم تطرق عباس بغدادي، ليتحدث عن قصر شعشوع، قال: في طريق الأعظمية، لم يكن هناك غير قصر أبن شعشوع، الذي لم يكن قصرا واحدا بل ثلاثة قصور، أتخذ أكبرها بلاطا للملك فيصل الأول، وألحق به الثاني من الجهة الجنوبية في عملية توسيع البلاط، أما الثالث ويقع شمالا، فقد بقي غير ملحق بالبلاط وقد سميت الثلاثة (قصر ابن شعشوع) لانها متجاورة.ويذكر البغدادي: أن ابن شعشوع، يعد من تجار بغداد الأثرياء، ومن وجهاء الطائفة اليهودية ويملك من الأراضي في الفلوجة وبغداد والكاظمية، ولم يزل بيت حفيده منشي شعشوع، قائما على شارع أبي نواس، بجوار فندق السفراء العائد الى خليل البحراني.

الرصافي وفيصل الأول

كثيرا مارغب الملك فيصل الأول، أن تعود المياه لمجاريها بينه وبين الرصافي لكن شخصية الرصافي المستفزة بقيت على حالها وموقفها، وقد هجا الملك فيصل قائلاً:

أبلاط أم ملاط ؟! أم مليك بالزعاطيط محاط

كانت علاقة الشاعر معروف الرصافي بالملك قبل تتويجه علاقة صداقة..ويذكر الرصافي في المقابلة التي جرت بينه وبين الملك فيصل الأول في قصر شعشوع انه بعد وصوله إلى الحجرة المقررة للملك (وكان أثاث الغرفة يتالف من منضدة كبيرة خلفها كرسي جالس عليه الملك فيصل وأمام المنضدة كرسي واحد لا غير، فلما دخلت الغرفة بادرني الملك بقوله:

انا الذي أعد أياماً وأقبض راتباً؟

فأجابه الرصافي: أسأل الله ألا يكون كذلك.

وجلس الرصافي على الكرسي دون استئذان.

ثم قال الملك فيصل معاتباً الرصافي: ليش كل هذا العداء يا معروف؟

فأجابه الرصافي: ياصاحب الجلالة لا يوجد ولا شخص واحد في الدنيا يقول أن لي مطمعاً في مقامكم لأجل أن يكون لي عداء معكم لأن الأغراض هي التي تولد العداء، فقال وهذا (بلاط أم ملاط؟)

فأجابه الرصافي: أن هذا لم يكن موجهاً لشخصكم الكريم وإنما لمقامكم والمقصود هو حاشيتكم الذين أساءوا للبلاد.

فقال له الملك: أن إساءة بعض الحاشية لا يبرر هذا القول.

ثم قام الشاعر الرصافي وانصرف مودعاً الملك.

أسرار جعفر أبو التمن

كانت غرفة القصر الكبيرة وبالكونتها المطلة على القصر والملامسة لنهر دجلة، التي أتخذها الملك فيصل دارا لأستراحته، قد أتخذها من بعده جعفر أبو التمن، مكتبة لحفظ كتبه وأرشيفا لحفظ مخطوطاته وأطاريحه وخطاباته السياسية ومذكراته الشخصية، وقد جرفتها مياه الفيضانات الموسمية الكبيرة التي كانت غالبا ماتجتاح، ليس قصر شعشوع وحسب، بل العديد من البيوتات البغدادية المطلة على نهر دجلة، ولم يتبق من أرشيف جعفر أبو التمن، الا النزر القليل، وقد قام أبنه البكر ويدعى عزيز، بتسليمها الى المكتبة الوطنية، قبل أن يتوفاه الأجل. بحسب مابقي على قيد الحياة، من أبناء جعفر أبو التمن، ويدعى عبد الكريم جعفر (82 عاما) وقد تحدث:

كنا نسكن في محلة صبابيغ الآل، في منطقة السويدي، قرب(العبخانة) ثم أتخذ والدي قصر شعشوع، منزلا له، بعد أن أتفق مع أحد أفراد عائلة شعشوع على أيجاره بمبلغ قدره 150 ديناراً، يدفع سنويا، وتم ذلك في العام1934م.

أجتماعات سرية

وذكرت فاتنة الهاشمي عن أبرز الأحداث السياسية والأجتماعية التي مر بها جعفر ابو التمن نقلا عما ذكره ولده كريم ، وشهدها قصر شعشوع، الذي عاشت فيه عائلة أبو (التمن) لأكثر من (8 سنوات) قائلة:

- منذ الشهور الأولى التي تحولت فيها عائلة ابو التمن للسكن في قصر شعشوع، وبسبب مساحته الكبيرة وحديقته الأمامية والأخرى الخلفية المطلة على دجلة، صار باب القصر وحديقته الأمامية، مفتوحة لأستقبال كل من له شكوى أو حاجة يقضيها عنده، وصار يتوافد عليه جموع من المحبين والموالين من العمال والفلاحين وحشود غفيرة من شيوخ العشائرالعراقية، فيما كان القصر يكتظ في أوقات العصاري، وخصوصا يوم الأربعاء من كل أسبوع، وفي الحديقة الأخرى المطلة على دجلة، لأستقبال العديد من القادة السياسيين والعسكريين المقربين لجعفر جلبي ابو التمن وغالبا ما تعقد بينهم أجتماعات علنية وسرية، يتباحثون خلالها، في أبرز المستجدات والأوضاع السياسية للبلاد، ومنهم، كامل الجادرجي، محمد حديد، عبد الفتاح أبراهيم، عادل شريف، ناظم الزهاوي، عبد القادر أسماعيل، وحسين جميل.

ومن خلال تلك الأجتماعات في قصر (شعشوع)، ظل جعفر ابو التمن على أتصال بآرائهم وأفكارهم، مثلما بقي متواصلا مع القضايا الأجتماعية والسياسية التي تهم البلد، وعبر عن آرائه علنا فيما يخص الأحداث المهمة وبالذات أثناء الحرب العالمية الثانية، عندما أعلن عام1939م بأن العراق يجب أن يبقى محايدا، وقوبلت آراؤه بالترحاب عموما من قبل المثقفين، وفي مايس عام1941م أصبحت مشكلة أستخدام البريطانيين للأراضي العراقية، بموجب فقرات معاهدة عام1930 موضوع خلاف بين الحكومة البريطانية ووزارة رشيد عالي الكيلاني. والسبب الحقيقي وراء ذلك النزاع بين بريطانيا وحكومة الكيلاني، كان حصيلة الظروف السياسية للحرب العالمية الثانية، وكان الالحاح البريطاني، حول ممارسة الحق في أستخدام الأراضي العراقية، بوجب معاهدة1930 وتعد جزءا من السياسة البريطانية الأجمالية للشرق الأوسط والتي تضمنت حماية مصالحها في الحقول النفطية في أيران والخليج وأستبعاد النفوذ الألماني عنها، وكان في رأي الكيلاني، أنه بأمكان بريطانيا أستخدام الأراضي العراقية لاغراض العبور فقط على أن يكون ترتيب ذلك، تحت سيطرة القطعات العراقية، أما البريطانيون، من الناحية الثانية، قد فسروا المعاهدة على أنها كانت تعني حقهم في أستخدام الأراضي العراقية كقواعد فعلية، وتطور ذلك الجدل الى أزمة في مايس1941 وأدى الى أنشقاق الحكومة العراقية التي يرأسها رشيد عالي الكيلاني، يدعمه بعض ضباط الجيش الكباروفي مقدمتهم العقداء (صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد ومحمود سلمان...) وقد عارضه الوصي، عبد الأله (بعدما توفى الملك غازي العام1939 في حادثة أصطدام بسيارته) ونوري السعيد اللذان أيدا وجهة النظر البريطانية ما أدى الى صدامات مسلحة بين القوات البريطانية والعراقية- يضيف عبد الكريم أبو التمن- وعلى أثرها، أجتمع القادة الوطنيون وقيادات المعارضة، في حشد في بيت والدي، داخل قصر شعشوع (خلال أزمة مايس) حيث حضرها نحو30 شخصا، من الشخصيات البارزة، وقرر المجتمعون، مساندة رشيد عالي الكيلاني في موقفه، وعهدوا الى والدي جعفر، مهمة اللقاء برئيس الوزراء، لتهنئته ولتبليغه بمساندتهم له، فرفض والدي الذهاب معهم، وذهب وحده في وقت لاحق الى بيت الكيلاني.

وفاة جعفر ابو التمن..

ذكرت الدكتورة فاتنة الهاشمي نقلا عن عبد الكريم ابو التمن قوله عن مصير والده؛ أنتقل الحاج جعفر أبو التمن من قصر شعشوع عام 1942، بعدما شهدت السياسة الكثير من التحولات خلال سنوات سكنه في

قصر شعشوع ليتحول الى منزل في الكرادة، وبعد ثلاث سنوات، رقد في الفراش لأكثر من شهر، نتيجة أصابته بمرض التهاب في دماغه وجاء لزيارته الكثير من أصدقائه من القادة السياسيين، وتابع حالته الصحية، العديد من الاطباء العراقيين والبريطانين ومنهم طبيب العائلة المالكة سندرسن باشا، ومن الاطباء العراقيين مهدي فوزي والذين حاولوا تقدم العلاج اللازم له، وكانت آخر زيارة طبية قبل وفاته بأيام معدودة من قبل طبيب البلاط الملكي سندرسن باشا الذي كتب له علاجا متكون من (كورس من الابر) وتم زرقها له في اوقات منتظمة أستمرت نحو 10 ايام الا انها لم تجدي نفعا ففارق الحياة متأثرا بمرضه.

الاعلام وتشكيل الرأي العام .. حدود الحرية والمسؤولية .. احتفاء بصدور كتاب

احتفت مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2017 بصدور كتاب الاعلامي والشاعر العراقي د.عبد الحميد الصائح المعنون"الاعلام وتشكيل الرأي العام .. حدود الحرية والمسؤولية" الذي صدر مؤخرا عن الدار العربية للعلوم - ناشرون في بيروت، وهو في الاصل رسالته لنيل درجة الدكتوراة ، في أمسية ثقافية تحدث فيها الكتور الصائح عن كتابه الجديد.

الدكتور عبد الحميد الصائح شاعر عراقي ولد في الناصرية / سوق الشيوخ تخرج من أكاديمية الفنون الجميلة عام 1988، اكمل درسة الماجستير والدكتوراة في الاعلام من جامعة مصر الامريكية في القاهرة اصدر الكتب التالية:المكوث هناك – شعر – 1986 ،وقائع مؤجلة – شعر – 1992 ،نحت الدم – شعر – 1994،الخروج دخولا – مسرحيات- 1992،عذر الغائب – شعر – 1998،قصيدة العراق – شعر – 1998،الأرض أعلاه – نصوص- 2003. عمل صحفيا وناشطا في حقوق الانسان ، كما عمل في مجال الأخبار في الصحافة والإذاعة والتلفزيون وقدم العديد من البرامج السياسية والثقافية في تلفزيون البغدادية منذ تاسيسه عام 2005 وانجز مناهج تدريب لورشات عمل ومحاضرات في عدد من معاهد التدريب والتطوير الاعلامي .وعمِل رئيساً للتحرير في مركز البحوث والدراسات العربية في بريطانيا ورئيسا للجنة الاعلام والبحوث في مشروع العدالة الانتقالية لجمعية الحقوقيين العراقيين في بريطانيا حتى اكتماله نهاية عام 2002. كما عمل رئيسا لتحرير صحيفة إنسان، ورئيسا لتحرير مجلة الضمير الفصلية التي تصدرها المنظمة العربية لحقوق الانسان في بريطانيا.

دور الاعلام في حياتنا

ابتدأ الدكتور عبد الحميد الصائح امسيته بالحديث عن دور الاعلام في حياتنا اليوم قائلا؛ الجميع متفق بأن الإعلام يؤدي دوراً خطيراً في حياة الأمم، ليس في نقل الأخبار والأحداث فقط، وإنما في صياغة وتحديد توجهات الرأي العام. ومن هنا يصبح الدورالذي يمارسه الإعلام حالياً بمثابة صوت يتسلط على المتلقي لإحداث أكبر قدر من التأثير ايجابا او سلبا ..من هذه النقطة استعرض الدكتور عبد الحميد الصائح كتابه القيم عن الاعلام و تشكيل الرأي العام ..

ربما يتناول الاكاديميون موضوعا كهذا بمنهجية علمية و استعراض اكاديمي، لكن الخبرة الاعلامية المتراكمة لدى د. الصائح جعلته يتناول الموضوع من اكثر من جانب و ان يتعامل مع مفردات الاعلام الحديث المتأثر بالتكنولوجيا و انعكاساتها عليه، حديثا غنيا و ثريا بالمعرفة الممزوجة بالخبرة لتكون صوت عقل راق في التعبير عن كل مفردة تناولها الكتاب .

الاعلام كسلاح حديث

أوضح د. الصائح كيفية صيرورة الإعلام من أخطر الوسائل أو الاسلحة المستخدمة في الحروب والتي تستهدف عقول البشر، حيث تبدأ بالتشويش عليها لتصيبها في قناعتها، لصرف الأنظار عن حدث ما، أو تسعى لتغيير وجهات النظر باتجاه واقع غير موجود أصلاً وليس إلا وهماً، ثم تجسيده والدفاع عنه حتى يصبح حقيقة، وبالمقابل التشويش على واقع حقيقي، وتشويه القناعات بشأنه، حتى يصبح في وعي الشعوب غير حقيقي.فالهدف هو أن تغزو وسائل الإعلام العقل فتشكله ما استطاعت، وتحركه ما أرادت، وتوجه عناصر تفكيره إلى ما هدفت ..

ان سنوات الخبرة الطويلة للدكتور الصائح و خلفيته الثقافية و الفنية كانت مرجعية معرفية ممزوجة بالمهنية في التعامل مع الموضوع بحكمة و حنكة، وقد تطرق الدكتور الصائح الى حلقات الاعلام الحديث الذي لا يقتصر على الخبر و السياسة و الاجتماع فاشاد باهمية الاعلام التنموي في مجالات الصحة و التربية و الاجتماع .

الكتاب المحتفى بصدوره

اما فيما يتعلق بالكتاب المحتفى بصدوره ، فقد صدر قبل ايام عن الدار العربية للعلوم - ناشرون في بيروت كتابا بعنوان "الإعلام وتشكيل الرأي العام - حدود الحرية والمسؤولية" لمؤلفه الدكتور عبد الحميد الصائح وهو في الاصل رسالته لنيل درجة الدكتوراة في فلسفة الاعلام من الجامعة الدولية الامريكية في مصر تحت اشراف الدكتور سلمان الجميلي. ويَدرسُ الكتاب تأثيرَ وسائِل الإعلام الجديدة في تشكيل الرأي العام من خلال أثر الإعلام البديل أو الجديد وسماته الأساسية المتمثلة بحرية الرأي والتعبير وتداول المعلومات ودور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في ذلك، ثم مساهمة الرأي العام في صناعة المحتوى الإعلامي والتفاعل معه، حيث إن بمقدور الجمهور المشاركة في كلّ مراحل صناعة الخبر والمعلومة والرأي سواء من خلال جمع المادة أو تحريرها أو اختيارها أو ترتيبها أو تصنيفها أو التعليق عليها أو تحليلها أو اتخاذ قرار بإرسالها لآخرين أو حذفها. فيما ناقش موضوعة الانفجار الإعلامي العربي من خلال مقاربة إحصائية للفضائيات العربية التي بلغ عددها حسب تقرير اتحاد الإذاعات العربية لعام 2014 (1230) قناة تلفزيونية.

وأشار الكتاب إلى أن مشكلة الوطن العربي إزاء ثورة المعلومات ووسائلها الحديثة أنه لم يهيئ الأرضية الفنية والبشرية ليكون بمستوى تحوّلاتها، وحافظ على خطاب ومحتوى تقليدي وأساليب بدائية في التعليم والتشريعات والحريات والتعامل مع الأجهزة الحديثة. فظواهر مثل الفقر والأمية والفساد والنزاعات البينية بين الدول العربية أو بين مكونات شعب الدولة الواحدة، لم توفر لها البيئة النشطة التي تجعل من ثورة المعلومات ووسائلها مسارا جديدا للتنمية البشرية وقناة لتوفير الحلول المحلية الاختيارية المناسبة المقترحة شعبيا أملا بتبنيها لأجل علاج المشاكل بما يضمن الذهاب باطمئنان إلى المستقبل حسب ما جاء فيه.

انعكاس الواقع السياسي على الاعلام

كما يناقش الكتاب انعكاسات الواقع السياسي على الإعلام العربي حيث تطرق إلى المخاطر الخارجية والتحديات الداخلية، وما تفرزه من مشكلات للإعلام متمثلة بالتدخل الدولي واحتلال العراق وما تبعه من متغيرات. فقد بدت وسائل الإعلام العربية الرسمية مرتبكة مترددة بشأن دعم الحرب أو الوقوف ضدها، فهناك دول رأت من مصلحتها إسقاط النظام في العراق لكنّها في الوقت ذاته كانت تخشى من تأثير حرب العراق على وجودها، وهو ما اتضح في الخطاب الإعلامي لوسائل الإعلام التي تمثلها. كما ناقش الصراعات العربية البينية متمثلة بالحروب العربية العربية، وانعكاس ذلك كله على عمل الإعلام العربي. ثم تطرق الكتاب إلى المشكلات المباشرة المؤثرة؛ من حيث سيطرة رأس المال على الإعلام إلى فقدان المصداقية والتسييس وإعلام الأنظمة والفساد وتراجع الحريات.

كما ناقش الكتاب موضوعة مقاربة الفضائيات العربية لظاهرة الإرهاب والأنشطة والأعمال الإعلامية التي ينتجها الإرهابيون، حيث اعتمد البحث على مسح أجري عن التقارير والأفلام والبرامج الخاصة

التي تنتجها الفضائيات وتلك التي تنتجها التنظيمات الإرهابية، وتبين الفرق الشاسع بين إنتاج الفريقين لصالح الجماعات المتطرفة. كما ناقش الكتاب تناول الفضائيات العربية لموضوعات الدين والربيع العربي والعلاقات الدولية... وكانت امسية أثرتنا معرفة وأغنتنا بالمعلومة المفيدة ، قدمنا في نهايتها الشكر الجزيل للصديق المحتفى بأنجازه الدكتور عبد الحميد الصائح .

الجوانب النفسية للترابط الإجتماعي

استضافت مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 11 تشرين اول/اكتوبر 2017 الدكتور عادل الموسوي في امسية ثقافية للحديث عن الجوانب النفسية للترابط في المجتمع والارتباط بالوطن حيث تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في وقتنا هذا الذي نرى فيه محاولات دائبة لتفتيت الاوطان والمجتمعات. الدكتور عادل الموسوي استشاري في الطب النفسي واكاديمي يعمل في مستشفيات لندن منذ سنوات. عمل أستاذا زائرا في جامعة هارتفورد شاير وايضاّ كاستشاري في الطب النفسي في مستشفى نورثويك بارك التعليمي في لندن. وهو رئيس عيادة امراض الذاكرة في مدينة هارو وكذلك يرأس فريق الصحة النفسية في جنوب المدينة. له بحوث منشورة في الطب النفسي في المجلات  المتخصصة وكذلك مساهمات في المؤتمرات العلمية.

حاول البروفيسور عادل الموسوي في هذه المحاضرة تسليط الضوء على قضية هامة قد تبدو كما قال في بداية حديثه وكأنها قضية إجتماعية في حين أنَّها تتَّصل بشكل وثيق بقضايا النفس. فأوضح كيف أنَّ العنوان الذي تم إختياره للمحاضرة يثير في النفس عادة معاني الوطنية والحنين الى الوطن والعلاقة بالمجتمع. وهو ما يدعو في رأيه الى محاولة تناول الموضوع بقليل من التفصيل فيما يتعلق بالإنتماء الى المجتمع وقضية الهوية الإجتماعية.

وبدأ بمحاولة استعراض الحاجات النفسية التي تقوم عليها قضية الترابط الإجتماعي وقال بأنَّ الدراسات تُشير الى وجود تسع حاجات نفسية رئيسية يحتاجها الانسان في حياته بالعادة وقال: في تصوري فإنَّ هناك سبعة أمور نفسية تعمل كمحددات لقضية الترابط الإجتماعي وهي التالية:

  1. قضية الحاجة الى الانتماء الى مجتمع.
  2. تحديد هوية اجتماعية. وهو ذلك الجانب النفسي المتعلق بالإنتماء.
  3. النشأة الإجتماعية والتعوُّد.
  4. التعاطف والتفهم النفسي، وهما الأمران الأهم بين جميع هذه العوامل. لذا لا بدَّ               من محاولة تسليط ضوء أكثر عليه والبدء به قبل غيره.
  5. القيم الانسانية الأخلاقية من الناحية النفسية.
  6. الوازع الديني، سيما في منطقتنا الاسلامية.
  7. العامل الآخر هو ما حبَّذ البروفيسور الموسوي ان يطلق عليه عامل خلق التوازن بين الضعفاء والأقوياء.

 بعد ذلك بدأ الدكتور بالحديث عن مسألة التعاطف والتفهم النفسي (Empathy)وأوضح أنَّه أمر مختلف عن العطف والشفقة، إذ في قضية التعاطف النفسي يحاول الانسان أن يضع نفسه في موقع الآخر ليتمكن من الشعور بأحاسيسه وتلمّس طريقته في التفكير ومواجهة الواقع في مثل الظروف التي يكون فيها.

وأضاف: بأنَّ انعدام هذا النوع من المشاعر الإنسانية لدى البعض - وهي حالة موجودة ولكن بنسبة ضئيلة - يعكس أولاً حالة من التدهور في الصحة النفسية لأولئك الأفراد الذين قد يكون لهم شأن في مجتمعاتنا.

ثم تعرض الى أنواع التعاطف النفسي وقال بأنَّ هناك خمسة أنواع منه، الأولان هما الأساسيان والبقية كأنَّها فروع ثانوية تتفرع منها وهي:

  1. التعاطف النفسي الوجداني. وهو يعكس حالة من الشعور بما يعاني منه الآخر سواء كان ألماً نفسيا أو معاناة أو ما شابه ذلك.
  2. التفهم النفسي (Intellectual empathy)، وفيه يتفهم الإنسان ما يعاني منه الآخر ولكن بدون التفاعل النفسي العاطفي.
  3. الثالث، وهو نوع أقرب إلى التعاطف العضوي والذي يطلق عليه العملاء المختصون (عدوى الألم) (Pain contagion) وفيه ينتقل الألم بما يُشبه العدوى. فمثلا لو وضع زوجين تحت اختبار وربطت مجسات بجسم الزوج ثم جرى تقريب إبره بالقرب من يد زوجته سيشعر هو بالوخز حتى قبل أن يتم وخزها هي.
  4. الرابع، هو ما يُطلق عليه (تعاطف الرحمة) (Compassion) وهي مجموعة من الصفات التي تتجلى لدى بعض الناس الطيبين الرحيمين غير القادرين على القسوة أو الإعتداء وإلحاق الأذى بالآخر. فهؤلاء الناس يتعاطفون أيضاً مع مشاعر الرحمة وبما قد يصل الى حد البكاء أو فيض الاعين من الدمع كما يصفه القرآن الكريم في الآية (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83المائدة5)).

وقال البروفيسور الموسوي بأنَّه يعتقد بأنَّ هذا النوع من التعاطف قد دخل الثقافة العربية بعد نزول القرآن، فما ينقله التاريخ قد يوحي بأنَّ العرب كانوا يعتبرون الدمع نوعا من الضعف وربما الجبن.

ولفت هنا الى الموروث في الثقافة الإجتماعية من الخلط بين مفهومي الشجاعة والقسوة واعتبار الأخيرة نوعا من الشجاعة، والحال أنَّ هناك فرقاً جوهريَّاً بينهما.

  1. النوع الخامس من أنواع التعاطف هو التمثيل أو تقمص الأدوار، وهي موهبة نفسية قد لا يتمكن منها الإنسان العادي. فهي قد تكون متعبة إذا ما حاول الإنسان غير الموهوب القيام بها تكلفاً. ولكنَّ الممثلين المقتدرين وأولئك الثُلة التي تفوز بجوائز الاوسكار عادةً يوحي لك تصرفهم في تقمص الادوار وكأنَّهم يعانون حقاً وانَّهم لا يمثلون أدوار المعاناة وإنّضما يعيشونها.

والممثل الناجح هو ذلك القادر على أن يعيش الدور ويتلبسه موظِفاً ما لديه من الخزين الفطري الخاص به من التفهُّم والتعاطف.

والبعض قد يصف قدرات بعض الممثلين في هذا الميدان على أنَّها قدرات في مجال التنويم المغناطيسي والتي قد يلمسها الداخل الى دار العرض السينمائي حينما يرى الناس وهي مندمجة بشكل كبير مع المعروض عليهم نتيجة قدرات بعض الممثلين على التقمص ولبس الادوار بشكل عميق.

ولذلك كان للمسرح وللتمثيل والشعر وسرد الحكايات أدوار كبيرة في حياة المجتمعات منذ القدم، واليوم صار الإعلام الممنهج، يعتمد بقسط وافرٍ منه على هذا النوع من التعاطف.

وتاتي عملية صياغة الأخبار في وسائل الإعلام ضمن هذا السياق، فقد تصف وسيلة الإعلام وفاة البعض مقتولين بأنَّهم فقدوا حياتهم أو يذكرهم كرقم مجردٍ من الضحايا اذا كان يهدف الى التخفيف من شدَّة وقع الأمر على المتلقين، بينما اذا اراد إستثارة تعاطفهم فإنَّه يُشير الى موتهم قتلا بطريقة ما، أو يدخل في تفاصيل شخصيات المتعرضين للحادث بأن يلتقي ذويهم أو يعرض عوائلهم وأطفالهم ليزيد من توظيف القدرة البشرية لدى المتلقي على التقمص والتفاعل والتعاطف. 

وهذا ما يدفع الى القول بأنَّ على العاملين في ميدان الإعلام أن يكونوا متمكنين من هذا الجانب لما في الاعلام من الحاجة الى التضليل أحياناً.

وعلى هذا الاساس تجد أن هناك نخبة من المتخصصين النفسيين يعملون في بعض وسائل الإعلام الكبرى لبناء الخبر بطريقة معينة تحقق أهداف وسيلة الإعلام ومن يقف ورائها. والبحوث المنشورة حول هذا المجال مذهلة.

وتابع البروفيسور الموسوي الحديث حول هذا الموضوع المتعلق بحياة الناس بشكل جوهري فقال بأنَّ الدراسات والبحوث في مجال التعاطف وأنواعه بدأت منذ سنين قليلة ولكنَّها تطورت بسرعة فائقة وتسارعت بشكل واضح، بحيث أصبح العلماء الآن قادرين على تحديد المناطق أو الشبكات الدماغية العاملة في تكوين هذا التعاطف النفسي.

بعد ذلك طرح البروفيسور الموسوي سؤالاً فقال:

هل يمكن أن يحصل نوع من الإنسداد في التعاطف النفسي لدى الناس؟

وفي معرض الإجابة على هذا السؤال قال: لو بدأنا بالقضايا البيولوجية سنقول نعم يحصل ذلك، فبعض الناس يأتون الى الدنيا هكذا كما في إضطراب التوحُّد التطوري، فالمصابين يعانون من ضعف في قضية التفهم النفسي.

فالطفل المصاب يبدأ شبه طبيعي خلال السنتين الأولى من حياته ثم تبدأ علامات الإنحدار باللغة تظهر عليه، سيما اللغة الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي. والدراسات أظهرت بأنَّ لدى الطفل المصاب بهذا النوع من الإعاقة نقص في طرف معين من التعاطف أو التفهم النفسي.

النوع الآخر من الإصابات هم بعض الناس الموصوفين بالشخصيات المعتلَّة أو الشخصيات (ضد الاجتماعيَّة/ الضد مجتمعيَّة) (Antisocial/Dissocial ) وهذا النوع من الشخصيات تعاني من النقص الشديد في التعاطف النفسي الوجداني الذي أُشير اليه سابقاً مع قدرتهم على التفهّم النفسي، فهم يفهمون المعاناة والألم ويفهمون عدم صحة القسوة على طفل أمام والديه مثلاً ولكنَّ الواحد منهم يكون مستعدا للقيام بذلك من أجل الابتزاز او انتزاع اعتراف او ما شابه.

 أو قد يصل الأمر الى حالة انعدام هذا التعاطف بالمرَّة وهو ما يبدو لدى تلك الفئات المصابة بعطب كبير والتي تُدعى بالشخصيات العدائية وهم الشخصيات المصابة بإضطراب الشخصيَّة العدائي:

 (Psychopathic personality disorder )

ومن هذه الفئة يكون المجرمون والقتلة، بل ومنهم - وعلى غير ما يتوقع الكثيرون - القادة والسياسيون ورجال الأعمال الناجحون، إذ في العادة يكون القادة في المجتمعات من بين تلك الفئة الا ما ندر.

ثُمَّ عرَّج البروفيسور الموسوي على ذكر أمثلة تطبيقية فاشار إلى أحد مرضاه من الناجحين في حياتهم المهنيَّة بل والمهمين في مجال عملهم والذي كان أهله يشكون من عدم مراعاته لوضع ابنته المصابة بالكآبة..

وحينما سُئل عن ذلك وابتدأ الحديث عن جوانب القضية من وجهة نظره أعرب عن إستغرابه من بعض ما يسمعه من الآخرين وقال بأنَّه لا يشعر بما يصفونه أمامه مما يسمونه (دفء العائلة) او (الشعور بالتعاطف مع الاولاد) وامثال ذلك، إذ نفى أن يكون شعر بإيٍّ من ذلك مطلقاً، وأكَّد بأنَّه يشعر بالإختلاف عن الباقين.

وأوضح الأستاذ عادل، بأنَّ هذا النوع من الإصابة لو تمَّ قياس درجته بالوسائل العلمية فسيشير الى إصابة عالية للغاية بما اطلقنا عليه سابقاً  (إضطراب الشخصيَّة العدائي) (Psychopathic personality disorder )

فهو يفهم المشاعر وما تعنيه ولكنَّه لا يشعر بها في نفسه، وهو قد يُشعركَ بأنَّه إنساني الى أبعد الحدود ووطنيٌّ ومتعاطفٌ مع الفقراء بدرجةٍ كبيرة دون أن يكون لايٍّ من ذلك وجود حقيقي في داخله.

وهذا النوع يكون خطراً للغاية لقدرته على التأثير بالآخرين وتحريك مشاعرهم دون أن يتأثر هو بذلك.

والملفت بأنَّ من هؤلاء فئة قادرة على القيام باعمال توصف بأنَّها لا إنسانية ولكن المجتمع بحاجة لهم أو لهذا النوع من الأعمال، لذا فهم غالباً ما يوصفون بانَّهم الشجعان البسلاء وأصحاب الشهامة بينما هم يفتقدون الى الإنسانية، فمن يقتل إنساناً آخراً بدمٍ بارد لا شك أنَّه يعاني من نقص في إنسانيته.

ورغم حاجة المجتمع أحياناً لبعض من هذه الانواع ولكن ينبغي أن يقوم الأمر على متابعة وتوجيه وتربية لهم بالإستفادة من عامل الإنتماء الإجتماعي أو الهوية الإجتماعيّة التي يمكن أن تكون غير مستندة لدى أمثال هؤلاء على التعاطف وانما على جوانب نفسيَّة أخرى.

عليه يمكن تدريب وتوجيه هؤلاء لأن يكونوا عناصر نافعة للمجتمع كالجندي المخلص او القائد المحنَّك أو ما شابه ذلك، ولكن الخطر يبقى قائما في إمكانية تحوّل هؤلاء الى قتلة ساديين، واذكركم هنا بمجزرة سبايكر مثلا وهي مما لا انصح احدا في مشاهدة المشاهد المسربة عنها.

أو بقضية أجهزة كشف المتفجرات التي استخدمت لفترات طويلة في العراق واكتُشف لاحقا بأنها لا تعمل بالمطلق، فرغم أنَّ الحكومة البريطانية القت القبض على صاحب الشركة التي باعت تلك الاجهزة للعراق وحاكمته وحكمت عليه بعشر سنوات سجن، إلا أنَّ الإجهزة ظلت سنوات بعد ذلك موجودة في نقاط التفتيش.

وهنا يتساءل المرء لو أنَّ التفجيرات التي كانت تحصد أرواح الآلاف نالت من عوائل المتورطين في تلك الصفقة ما كان سيكون شعورهم؟.

ثم قارن الأستاذ الموسوي بين ما يمكن أن يؤدي اليه التقمُّص الضيق الموجود لدى هؤلاء النفر نتيجة امكانية وجود حالة التعاطف الضيق المختص بالعائلة او الاولاد او المقربين وبين المصابين بالتوحّد الذين لا يمتلكون التفهّم النفسي او انَّه موجود لديهم ضعيفا للغاية بينما هم يمتلكون التعاطف.

وهذه القضية تكون ظاهرة بجلاء لدى الاطفال المصابين بالتوحد، فالطفل المصاب بالتوحد والذي يتعرض بالعادة الى تنمُّر الاطفال الآخرين عليه، حينما يُسأل لماذا لا يرد أو يُدافع عن نفسه، فإنَّه يقول ببراءة: لا استطيع فربما يؤدي ذلك الى تعريض الاطفال الآخرين للأذى.

واوضح أنَّ هذا الامر قد اكتُشِفَ حديثاً من قبل علماء النفس والباحثين في هذا المجال فقد ثبت بأن الاطفال المصابين بالتوحد لا يفتقدون جانب التعاطف النفسي الوجداني مع الآخرين، ولكنَّهم يفتقرون الى التفهّم النفسي وهو ما يمكن تسميته بـ (التعاطف النفسي العقلي- Intellectual empathy).

واضاف: قد يحصل نوع من التشابك بين حالتي الاصابة بالإعتلال من جهة والتوحُّد من جهة ثانية، وهو امرٌ اكتُشف مؤخرا أيضا وتمَّ تصنيفه على انَّه عارض وراثي أطلق عليه (Alexithymia) وهو ما يمكن أن نسميه بالعربية (جمود المشاعر) أو (العجز عن وصف المشاعر) وفي مثل هذه الحالة فإنَّ الانسان لا يقدر على التعاطف.

وحاول البروفيسور الموسوي استعراض بعض الأمثلة لفهم كيف تؤدي الإصابات المشار اليها إلى اضعاف الترابط الإجتماعي.

وبدأ بمثال من العاملين في مجال الرعاية الصحيَّة لأهميتها، كالاطباء مثلاً وذكر تجربة إحدى الصحفيات التي عاشت فترات متفاوتة في كردستان وسائر محافظات العراق والتقت بكثير من الاطباء المشاركين في بعض المؤتمرات والورشات الطبية في مختلف البلدان.

وتعرضت في تقريرها الى الكثير من الظواهر السلبية في ممارسات الاطباء العراقيين.

واشار الى أحدى الظواهر التي تحدث بكثيرة في العراق وهي قيام الاطباء سيَّما  الإختصاصيين بإدخال أكثر من مريض للمعاينة في المرَّة الواحدة وهذا يحدث حتى بالنسبة لأمراض المسالك البولية او الامراض النسائية.

وقال بأنَّه تعرض لذكر هذا الموضوع أمام عدد من الاطباء العراقيين الذين ردوا عليه بالقول بأنَّه عاطفي أو أنَّه يحاول التفلسف في هذا الأمر، وهو ما يعني - برأيه - القول: انَّك ساذج وغير دقيق.

والحال ان القضية تبقى مستهجنة وغير صحيحة باعتبار أنَّ المريض يعرض أمورا غاية في الخصوصية امام الطبيب.

وربما لا يقبل أي طبيب من هؤلاء بان يتم التعامل مع ذويه او اهل بيته بنفس هذه الطريقة من قبل طبيب آخر.

هذه الممارسة تتوقف حينما تدخل العلاقات الاجتماعية في البين، وبمجرد ان يعرف الطبيب الشخص القادم مرافقا للمريض على أنَّه طبيب مثله مثلاً فإنَّه يمنع من دخول آخرين.

فما هو السبب في هذه الممارسة ياترى؟

ذكر الاستاذ عادل الموسوي إحتمالين:

الاول: ان يكون الاطباء يعانون من نقص نفسيٍّ معين، وهم ربما يفسرون الأمر على انَّه نتيجة طبيعية لقلة عدد الأطباء مع ضغط المراجعين الشديد، ولكنَّ الامر في الحقيقة ينجم عن حالة من التعود نتيجة تكرار الأمر حتى يُصبح امرا عاديا.

وقال إنَّ سؤال السمكة عن الماء قد يلقى جواباً ملؤه التعجب والإستغراب لأن السمكة منذ ان فتحت عينيها وهي تعيش في هذا المحيط المائي فهو لا يلفت نظرها بالمرَّة.

واضاف: في الحقيقة إنَّ هذا التعوَّد على الافق المحيطي هو الذي يجعل المجددين والمصلحين والانبياء موضعا للسخرية والإتهام بالسحر، كونهم يقدمون رؤية جديدة مختلفة عما هو سائد في المجتمع من مألوفات وأعراف.  

الثاني: هو عدم إهتمام أو قلَّة تدريب.

 واشار الى البرامج التي يتم تطبيقها على الاطباء في بريطانيا وسائر الدول المتقدمة مثل كندا التي عمل فيها البروفيسور عادل استاذا في احدى الجامعات، وفي امريكا والمانيا.

فبرامج التدريب على عملية (التفكُّر النفسي) تبدأ مع طالب كلية الطب من الصف الاول أو الثاني وتستمر معه لحين تخرجه وعمله كمتدرب.

فالهيئات المختصَّة تحاول تدريب الطبيب على عملية التقمص والتعاطف النفسي، في مسعى لتثبيت وتعزيز هذا الجانب لديه. بل حتى لدى الكوادر المختلفة التي تعمل في المجال الصحي.

وهذا النوع من التدريب يعتبر من الانواع الإلزاميَّة المفروضة على الطبيب أو ما يسمى (Mandatory training).

وهذا ما يؤكد بأنَّ هذا الامر يمكن تطويره في النفس الإنسانية إن كان في مستويات متدنيَّة.

فالغالبية تمتلك هذا التعاطف بشكل طبيعي رغم انَّ البعض - وهم قلَّة - لا يمتلكونه مطلقاً.

في جانبٍ آخر من الموضوع، أشار البروفيسور الموسوي إلى أنَّ هذا التعاطف ومثل ما يمكن تنميته وتطويره فإنَّ من الممكن كبحه وتقليصه وتعريضه للإنسداد نتيجة بعض التأثيرات الإجتماعية والمحيطية سيَّما عملية التعود الناتجة عن التكرار.

فالأطباء في العراق وربما في أماكن أخرى يقعون في سقطات تعتبر كارثية في بعض الأحيان، من قبيل التفكُّه أو تناول معلومات وشؤون المرضى أمام الآخرين أو في وسائل التواصل الاجتماعي.. والأمر قد يمتد الى ذكر تصرفات وسلوكات ذوي الاحتياجات الخاصة والمعاقين والمتخلفين عقلياً او المصابين بامراض نفسية.

وهذا نوع من التخلف الحضاري والخُلُقي، ولو أنَّنا نظرنا في القرآن الكريم ترى أنَّه يُشير الى تكريم ذوي الاحتياجات الخاصة وحث المجتمع على تقديمهم ورفع الحرج عنهم كما في قوله (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61النور24)).

والحال ان مجتمعاتنا في الواقع الحالي قد تعاير المعاق او المريض بعاهته او عوقهِ وهو أمرٌ يؤدي بالانسان الى السجن لو أنَّه فعله في المجتمعات المتحضرة المتقدمة بتكرار واصرار مثلاً.

فالمجتمع في الغرب لديه معايير ومقاييس تحول دون ذلك وتعتبر هذا التصرف نوعا من اللا إنسانية واللا أخلاقية، فترفضهُ وتضع القوانين الخاصة والصارمة لحماية تلك الفئة من المجتمع.

فالنظرة الانسانية الى ذوي الاحتياجات الخاصة تبقى لازمة وضرورية لوضعهم في مرتبة واحدة مع سائر البشر فهم بالنتيجة اناس لهم حقوقهم في الحياة وينبغي حمايتهم.

وختم الموضوع بالقول: بأنَّ هذه الممارسات تبيِّن كيف يحصل الإنسداد في قضية التفهُّم والتعاطف النفسي لدى الناس وهو ما يستشعره ذوي وأهالي المعاقين وذوي الإحتياجات الخاصة فهم أقدر الناس على رؤية الممارسات اللاحضارية واللا إنسانية التي يتعرض لها أفراد منهم من ذوي الاحتياجات الخاصة.

ولاكمال الفكرة ورؤية القدر الكبير الذي تمثله شريحة المصابين أو المرضى الذين قد يواجهون من قبل البعض بالاستهزاء والتفكُّه وما شابه ذلك، أورد الدكتور عادل إحصائيات رسمية عن نسبة عدد المصابين بأمراض نفسية الى إجمالي عدد السكان، فطرح اولا السؤال الذي قال انه يطرحه على الطلاب او اعضاء الكوادر الصحية المتدربين لديه وهو:

  • ما هي نسبة المصابين بالامراض النفسية في تصوركم؟ وهل تعتقدون انَّها أقل أو أكثر من نسبة المصابين بمرض البول السكري الذي يمثل نسبة قد تصل الى 15% ؟ او: هل تعتقدون بأنَّ الامراض النفسية اكثر نسبيا او أمراض الربو؟

وقال ان الاغلبية تجيب على هذا السؤال بالقول: بأنَّ الامراض النفسية هي الاقل في مختلف تلك الحالات.

والحال أنَّ الأمراض النفسية هي الأكثر! فهي تمثّل نسبة الخُمس أو الربع من السكان في أغلب المجتمعات! بل أن دراسات امريكية ونيوزلندية حديثه تشير الى أنَّ النسبة هي اعلى حتى من نسبة الربع.

واعرب الموسوي عن اعتقاده بأنَّ المرجَّح ان تكون النسبة اعلى في مجتمعاتنا، ولكن عدم وجود دراسات واحصائيات علمية تجعلنا لا ندري عن النسبة الحقيقية لهذه الاصابات.

في العموم فإنَّ عدم التفهم والسخرية والتفكُّه حول ذوي الإحتياجات الخاصة تدلل على:

  1. قلَّة أو عدم معرفة أو نقص خبرة، سواءاً بالحياة عموما او مهنيَّاً.
  2. ضعف نفسي في قابلية التعاطف النفسي مع اولئك الفئة من ذوي الاحتياجات الخاصة وذويهم.

بعد ذلك انتقل الدكتور الموسوي للحديث عن امور اخرى تؤدي إلى تضعيف التعاطف النفسي، وقال:

من الامور الاخرى التي تؤدي الى إضعاف التعاطف النفسي هو الضغط النفسي والصدمات.

فطريقة ومنهجية التعامل مع ضغوط الحياة والصدمات تعتبر قضية مركزية في شخصية الانسان وقدرته على مواصلة الحياة.

واغلب الضغط النفسي يأتي من الآخرين وهو ما يعبر عنه القرآن الكريم بأنَّه (فتنة)، فالانسان إجتماعي بالطبع ولا يتمكن من العيش منفرداً ولكن الحياة مع الجماعة قد تكون مهمة صعبة للغاية.

فالإنسان الذي يحمل قلقاً (Worry) حول أمرٍ ما ولديه توتر نفسي أو لديه وجس (Anxiety)، هذا الانسان يصعب عليه التعاطف مع شخص آخر، فالامر بحاجة الى قوة نفسية ورباطة جأش وتماسك للقيام به.

كذلك الامر مع الصدمات النفسية، فالمعروف انَّها تسبب خللاً في التعاطف النفسي أو تضعفهُ، فالمصاب بالصدمة النفسية عادة ما يحاول بمرور السنين أن يسد المنافذ أمام الألم في نفسه فيشيح بنفسه عن الذكريات أو الاشخاص او الاماكن ما سيؤدي الى عزلة ثُم إلى خلل في التعاطف النفسي.

واعرب الاستاذ عادل عن اعتقاده بان المجتمعات التي تمر بأزمات طاحنة كالمجتمع العراقي، وما شهده من سحق وتهشيم للنفوس، قد تُصاب بشكل عام بحالة (جمود العواطف المكتسب).

فأمثال هذه الصدمات لها ثمن باهظ، تجعل قضية التعاطف مع الآخرين أمراً صعباً على المتعرضين لأمثال هذه الصدمات، والامر اشبة بوجودك في سفينة تغرق بشكل تدريجي وتتناوشك المشاعر المتضاربة بين ان تنقذ نفسك او تفكر في انقاذ آخرين، او الترجيح بين انقاذ إبنك او طفل آخر هو اقرب اليك وهكذا! وهذا ما يُطلق عليه علمياً بـ (متلازمة السفينة الغارقة).

والمجتمع العراقي يعيش هذا الظرف منذ سنين سيَّما وهو تعرض إلى عامل مهم آخر من عوامل تهشيم النفسية الاجتماعية وهو (الاستبداد) الذي يؤدي الى تقليل الترابط الإجتماعي نتيجة الحد من أثر التعاطف النفسي.

فقضية كتابة التقارير التي شهدها العراق في فترة الحكم الاستبدادي هي من مصاديق هذا الأثر فهي تؤدي الى ما نصطلح عليه في العراق بعملية (كسر رقبة) وهو مصطلح مناسب فالعملية قد تؤدي الى إنهاء حياة انسان.

بذا فإن الطغيان والاستبداد ومرور السنين يؤدي الى اضعاف هذا الجانب النفسي لدى الناس وهذا اخطر نتائج الاستبداد.

ونقل قصة الحكيم الصيني الذي اراد تعليم تلامذته درساً في الاخلاق فاخذهم الى خارج المدينة حيث وجدوا امراة تبكي وجنبها عظام بشرية.

وطلب من طلابه ان يسألوا المراة عما اصابها هنا فاجابت بان هذه العظام تعود لزوجها وابنها اللذين تعرضها لهجوم الضواري.

فكان السؤال الطبيعي الآخر: اذا كان الامر كذلك فلماذا انت باقية هنا؟

فاجابت: بانها باقية هنا لعدم وجود حكام مستبدين او ظلمة في هذه المنطقة!.

فقال الحكيم: تذكروا هذا واحفظوه جيداً وهو: ان الحكام الظلمة او المستبدين هم شرٌّ من الوحوش الضارية.

وعلَّق الاستاذ عادل بالقول: والامر صحيح جدا لأن الدمار الذي تخلفه الحكومات المستبدة الظالمة من الصعب إحصاؤه او ترميمه او تعويض الناس عنه. والنتيجة الحتمية هو انَّه يفتت المجتمع.

من العوامل الاخرى التي تؤدي الى اشغال الانسان بنفسه وتحول بينه وبين التعاطف النفسي مع الآخرين هي عملية التخويف المستمر ما يدفعه الى التفكير بمحاولة البقاء على قيد الحياة هو اطفاله وعياله والاكتفاء بالانشغال بذلك فقط.

ومن العوامل الاخرى: التعرض للخيانة والغدر، وذكر في هذا السياق كلمة للفيلسوف الفرنسي الجزائري مالك بن نبي التي يقول فيها: ان الاستعمار يجعل المجتمع خائنا للفرد والفرد خائنا للمجتمع.

وقال البروفيسور عادل بأنَّه شخصياً يرجح ان يستبدل لفظة (الاستعمار) بلفظة (الاستبداد) لتكون العبارة شاملة لقطاع اوسع. وتابع القول بأنَّ (الفساد المالي والاداري) في المجتمع هو نوع من انواع الخيانة والغدر.

ثم انتقل للحديث عن (الكراهية) وقال: تسود مجتمعاتنا حالياً انواع مختلفة من الكراهية، واخطر انواعها السائدة الآن هي الكراهية المبنية على اساس سياسي أو مذهبي او عرقي او طائفي او مزيج منها.

هذه الكراهية لها اساس نفسي وآخر فكري يدير شبكة من الاخبار والتمثيليات والافلام والمسرحيات التي تعزز هذا النوع من الكراهية والتفريق الطائفي او المذهبي ويدق اسفيناً في المجتمع.

وأوضح بأنَّ اتعس ما في هذا النوع من الكراهية هو أنَّها تخلخل ميزان العدالة في النفس.

فقضية القيم في الحقيقة هي قضية وجدانية، فكل انسان يمتلك ميزاناً للعدالة يكون هو الاساس لأغلب القيم الاخلاقية، فرجحان الصدق على الكذب والانصاف على غير الانصاف وغير ذلك كلها متعلقة بميزان العدالة الموجود في النفس.

كذلك فإنَّ قضية الانتماء والهوية الاجتماعية لا تقوم فقط على مشتركات مبنية على التشابهات في اللغة او في المظهر او في الجغرافية وإنَّما تقوم أيضا على قضية القيم.

وقضية الكراهية تُخلخل هذا الميزان وتحول بين الانسان وبين إنصاف الآخر. وهذا اصعب واخطر ما فيها، والخطورة ستكون اكبر اذا دخل العامل الديني في الامر، وهو اقوى من العامل السياسي الذي يشمل الحكم وعملية الولاء للحاكم وربما الانتماء للوطن وما شابه ذلك.

ذلك لأنَّ دخول العامل الديني في بناء الكراهية يحولها الى قضية دينية مقدسة، فتجعل في كراهية الآخر نوعاً من الثواب، وكثير من الادبيات لدينا تحمل هذا الطابع.

والحقيقة ان الامر غير مقبول سيَّما وان القرآن لا يُشير الى مثل هكذا امور ولا يقبل بها.

القرآن يشير إلى اربعة انواع من الكراهية، فيشير مثلاً الى نوع منها وهو (الشنئان) فيقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8المائدة5)) فيدعو الى الانصاف والى محاولة تجنب عدم انصاف الآخرين نتيجة هذا النوع من الكراهية.

الامر الآخر الذي اراد الاستاذ الموسوي الاشارة اليه كعامل من العوامل التي تؤثر في قضية التعاطف هو قضية (التشفّي) أو (الشماتة).

واوضح بالقول: ان التقسيمات الموجودة في مجتمعاتنا تقوم على اساس القيم والانتماء، وهي قضية نفسية ايضاً لأنَّها تتعلق بالهوية الإجتماعية، والموازنة بينهما، ويحدث احيانا ان تؤدي هذه التقسيمات الى أن يطغى جانب الهوية على جانب التعاطف، خاصة بعد مرور الزمن على تلك الممارسة.

لذلك فإنَّ على الانسان حينما يوغل في سلوك معين ان ينتبه الى امكانية ان يؤدي سلوكه ذاك الى تدمير ميزان القيم النفسية القائم على اساس العدل في داخله.

فتارةً وحينما يسمع بعضنا بكارثة حلت بقومٍ ما، يتبادر الى ذهنه أنَّ هؤلاء القوم ليسوا من قومه او جماعته! وقد يشعر بداخله بالتشفي اذا كانت الاوضاع السياسية ليست لصالح اولئك القوم نسبياً.

وقال: هنا لا بدَّ لي من الإشارة الى قضية مهمة في هذا الاطار فالانسان عليه ان يراقب نفسه ازاء ظهور هكذا علامات في نفسه .. فاذا شعر ايّ منا بأنَّه لم يتمكن من التعاطف مع قضية انسانية واضحة كقضية الطفل السوري الذي رماه الموج على الشاطئ والذي حرك مشاعر الملايين حول الكرة الارضية، او قضية التونسي الذي اضرم النار ببدنه او ذلك الشاب الذي القى بنفسه في حاوية القمامة .. مثل هذه الاحداث اذا لم تحرك الانسان او أنَّها أشعرته بدلا من ذلك بسؤال عن طائفة هذا الشخص وهل هو من قومه او لا؟ او أنَّه شعر بنوع من التشفي.. فهذا مؤشر خطير يؤشر الى وجود خلل ينبغي على الانسان ان يبادر الى معالجته.

لأنَّ ذلك يُشير الى نقص في قضية انسانية اساسية هي قضية التعاطف والفهم النفسي.

وختم الاستاذ عادل حديثه بالاشارة الى قضية (الأخلاق) التي قال ان الدراسات النفسية عكفت على دراستها منذ مائة عام تقريباً وشهدت تلك الدراسات اوج تطورها خلال العقدين الماضيين.

وقال: كيف يمكن أن يتوضح للإنسان أنَّ قضية الاخلاق هي قضية نفسية؟ فأجاب بالقول: دعونا نأخذ مثالا على ذلك من الواقع وهي قضية النهب (الفرهود) التي تحصل في بعض المناسبات في مختلفا لمجتمعات، أو ما يسمى بـ (الشراء الهلعي).

فقد لاحظ العلماء بأنّه وحينما تقع بعض الكوارث فإنَّ الميل للشراء الهلعي او النهب يقع مباشرة بعد تلك الكوارث، ولاحظوا ايضا أن الذي يبادر اليه هم فئة معينة من الناس ثم أن الامر يزداد ويتسع.

وقال بأنَّ الناس تنقسم ازاء النهب الى عدَّة فئات قياساً الى القيم الاخلاقية ومدى التمسك بها:

  1. الفئة الاولى هم المجرمون الذين يوقفهم القانون: فالفرد من هؤلاء هو سارق بطبيعته ويلجأ الى السرقة ما لم يجد قيداً او حاجزا قانونيا يحول بينه وبين السرقة. هؤلاء هم اول ناس يبدأون بالنهب ولو تصورنا رسما توضيحيا فإنَّهم يقعون مثلاً على يسار الرسمة.
  2. الفئة الثانية هم الذين لا يفكرون بالنهب ابداً وهم يقعون على الجهة المقابلة لأولئك المنتمين الى الفئة الاولى - اي على يمين الرسمة - وهم المتمسكون بالأخلاق بقوة والذين لا يساومون على مبادئهم. وهؤلاء هم الذين لا يمكن شراؤهم تحت ظل ايَّةِ ظروف كانت، والذين لا يلجأون الى السرقة حتى وإن أمِنوا جانب القانون. 
  3. بقية الناس هم الموجودون بالوسط بين الفئتين الأولى والثانية.

ولكن كيف تبدأ عملية النهب بالتصاعد؟

قال الاستاذ الموسوي مجيباً: في الحقيقة ان هناك قاعدة في قضية الاخلاق وهي أنَّ الانسان غالبا ما يقارن نفسه بالآخرين في القضية الإخلاقية، فاذا أجاز العرف قضية معينة فإنَّ الغالبية من الناس تمارسها بدون حرج.

فقضية العرف هنا تعمل كطاقية الاخفاء فهي تخفى سوءات كثيرة. وكثير من الممارسات الشائنة تخفيها الثقافة المجتمعية، وكثيرون لا يرونها شائنة الا ان ياتي شخص من خارج تلك الثقافة او يمتاز عنهم بأنَّه يتملك عين ثاقبة وثقافة اخرى أرقى ويشير اليها وينبههم عليها.

عليه فالانسان في الغالب ينظر الى السلوك الاجتماعي ويقارن نفسه معه، فاذا شاهد بونا بينهما حاول التقرب من السلوك الإجتماعي، وبذا فان الناس الاقرب الى الفئة الاولى يبدأون بالاقتراب منهم وممارسة نفس الدور بالنهب، بينما يعاني الاقرب بقيمهم الى الفئة الثانية، كثيرا قبل ان يدخلوا في المجموعة وبذا فالمعيار هو القرب من إحدى الفئتين وهو الذي سيحدد سلوك الافراد.

وهكذا كلما مارس الانسان الخطأ تحول لديه الى سجية وكلما مارس السلوك الصحيح تحول لديه الى (مَلَكَة) كما يقول العرفاء الذين يتعرضون في المجمل الى قضايا الاخلاق والسلوك الاخلاقي.

والنظر اليوم في بعض الممارسات التي اصبحت طبيعية في مجتمعاتنا يكشف عن عمق الخلل الذي اصاب المجتمع ومدى التدهور في التركيبة النفسية للافراد.

والامثلة على ذلك كثيرة، كحفلات الاعدام الجماعي للعشرات او المئات من الناس لمجرد انهم خالفوا سلطة او رفضوا برامج معينة للسلطة او خالفوا عقائد معينة او ما شابه ذلك.

واعرب الاستاذ عادل عن استغرابه انه كان يرى مثل هذه الامور يجري تداولها بين بعض المتعلمين والاطباء تداول الحكاوي والقصص دون الاحساس بانها مخالفات اخلاقية كبرى، والسبب في ذلك على ما يبدو هو تأثير الجماعة والعقل الجمعي على نفسية الانسان.

مقتل الامام الحسين (ع) .. قراءة نقدية مقارنة

صادق الطائي

استضافت مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 4 اكتوبر 2017 الاستاذ سعدد الخزرجي الباحث في الشأن التاريخي في أمسية ثقافية قدم فيها رؤيته للثورة الحسينية كنبراس اصلاح ووهج ثوري ممتد تأريخيا عبر قراءته المقارنة للمصادر التاريخية التي تناولت حادثة استشهاد الامام الحسين (ع) لدى المتقدمين والمتأخرين.  الأستاذ سعد الخزرجي،باحث في التاريخ الاسلامي ،ولد عام 1959 م نشأ ودرس في بغداد ثم انتقل الى  بيروت ليستقر اخيرا في لندن ،لديه العديد من البحوث التاريخية والمحاضرات .وعدد من المؤلفات بعضها قيد الطبع منها :-      الدولة الاسلامية في عهد الخليفة عثمان بن عفان، وصلح الامام الحسن (ع) .. دراسة تاريخية استقرائية، والهاشميون وموقفهم من واقعة الطف.

المدخل

ابتدأ الاستاذ الخزرجي محاضرته بالقول ؛ كل عام تمر ذكرى استشهاد الامام الحسين (ع) وتتجدد فاجعتها ،لان واقعة الطف من اكثر الحوادث اسى وحزنا على مر التاريخ. وقد تركت تلك الواقعة اثرا بليغا في الفكر الانساني ومن جميع الديانات حيث يعيش الحسين في ضمير الانسانية مهما حاول البعض ان يتجاهله او من اراد من البعض الاخر ان يحصره في مساحات جغرافية ضيقة،لان ثورة الحسين (ع) على طغاة بني امية حملت الكثير من المفاهيم الانسانية والقيم الاخلاقية السامية ،ولانها واحدة من الثورات الفريدة في التاريخ وليس لها نظير وهي النبراس لكل الاحرار.

روايات المقتل

انتقل الاستاذ سعد الخزرجي الى تناول موضوع الرواية التاريخية لحادثة مقتل الامام الحسين فبين ؛ ان رواية المقتل قد كتبها العديد من الاخباريين والمؤرخين ،ولكن اكثر المقاتل القديمة لم يبق منها الا الاسم فقط ،فقد حرفت وسرقت واتلفت ،وذلك لئلا يبقى للحسين اسم ورمز يسير عليه من يريد الحرية والاباء .والذي وصل الينا من المقاتل القديمة الشيء القليل او ما نقل عنها في كتب التاريخ.

عدد المقاتل

ان عدد الذين كتبوا مقتل الامام الحسين من المتقدمين والمتأخرين بلغ 77 كتاب مقتل ،27 منها بالعربية ،20 بالفارسية ،والبقية بلغات اخرى .

كذلك تم ذكر المقتل في كتب التاريخ مثل :

  1. اليعقوبي ت 284 هـ
  2. الطبري ت 310هـ
  3. ابن الاثير ت÷ 630 هـ
  4. ابن اكثم الكوفي ت 314هـ
  5. المسعودي ت346هـ
  6. ابو الفرج الاصفهاني ت 366هـ
  7. الواقدي ت 207 هـ

اما اشهر هذه المقاتل فهو ما عرف بمقتل ابي مخنف ،وهو الذي وصل الينا عبر كتب التاريخ لوفرة من نقل عنه من كتاب ومؤرخين في نقل حوادث معارك الطف عام 61 هـ.

ابو مخنف .. صاحب رواية المقتل الاشهر

هو لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم بن الحارث بن عوف بن ثعلبة بن عامر بن ذهل بن مازن بن ذبيان بن ثعلبة الأزدي الغامدي الأزدي، كان جده مخنف بن سليم صحابياً ومن أصحاب الإمام علي وقتل وهو يقاتل إلى جانبه في حرب الجمل، لابي مخنف بعض الاخبار في تاريخ الطبري ، تُرجم لابيه ترجمهُ ، ابن حجر في " الإصابة في تمييز الصحابة، وقال عنه ابن النديم: إنّ مخنفاً هذا(جد لوط بن يحيى) كان من أصحاب علي بن أبي طالب، وقد ورث أبو مخنف من جده. مات سنة 157هـ. قال عنه ابن النديم في الفهرست: قالت العلماء: أبو مخنف بأمر العراق وفتوحها وأخبارها، والمدائني بأمر خراسان والهند وفارس، والواقدي بالحجاز والسيرة، وقد اشتركوا في فتوح الشام.

أما مؤلفاته فقد زادت على الثلاثين رسالة بقليل، وكلها في التاريخ عن حوادث مختلفة وقعت في إبان القرن الأول للهجرة؛ ولاسيما في العراق أو عن شخصيات سياسية عاشت في تلك الحقبة. ومعظم هذه الكتب أو الرسائل مفقود. وقد حفظ البلاذري في «فتوح البلدان» والطبري في تاريخه كثيراً من محتويات تلك الكتب، ويُذكر منها:كتاب «الردّة»، «فتوح الشام»، «فتوح العراق»، كتاب «الجمل»، كتاب «صفين»، كتاب «النهروان»، «مقتل عثمان بن عفان»، «مقتل علي بن أبي طالب»، «مقتل الحسين»، «الأزارقة»، «الضحاك الخارجي»، «الخوارج والمهلب»، «أخبار المختار بن أبي عبيد الثقفي» وهذا الكتاب الأخير مطبوع.

ويشير ابن النديم في الفهرست الى قائمة كتب ابي مخنف ،ويبين ان جهده كان موجها الى التصنيف في اخبار الشيعة وفي اخبار الكوفة بالخصوص وليس فيها اخبار بني امية او بني مروان مما يستدل منه علة توجهه السياسي. ومن مؤلفاته كتاب الجمل ،كتاب صفين،كتاب الحكمين ،كتاب النهروان ،مقتل محمد بن ابي بكر، مقتل الامام علي،مقتل حجر بن عدي،كتاب اخبار زياد بن ابيه،مقتل الحسين،كتاب اخبار التوابين،كتل المختار ومحمد بن الحنفية ،كتاب مطرف بن المغيرة.

كتاب واقعة الطف لابي مخنف

لقد جمع ابو مخنف ما دار في واقعة الطف من افواه الرواة واودعها كتابا اسماه (مقتل الامام الحسين) ،وبحسب العامل الزمني لرواة تلك الواقعة،نفترض انه بدأ بسماع احاديث تلك الرواية وجمعها في العشرين سنة الاخيرة من حياته اي بحدود عام 80 هـ ،ويستدل عد الخزرجي على ذلك مما يلي :

  • من خلال روايته اما مباشرة او باسناد واحد فقط.
  • ان اغلب من روى عنهم كانوا ممن شهد الواقعة وكانوا على قيد الحياة.

لكن يجب ان نقول انه كتابتها في ذلك الزمان امر مستبعد،لان تدوين التاريخ والحديث كان يعد مكروها جدا في تلك الفترة ،بل حتى ممنوعا. لذلك نرى انه ربما بدأ بكتابتها في مطلع القرن الثاني الهجري بعد سماح الخليفة عمر بن عبد العزيز (ت101هـ) في تدوين الحديث. لكن من المستبعد ان يكون املاه على الناس حينذاك في زمن السلطة الاموية المتشددة تجاه المعارضة الهاشمية ،لذلك يبقى الاحتمال الاقرب انه دون كتابه المشار اليه بحدود 120 هـ وهو عهد بداية ضعف السلطة الاموية لكثرة الثورات والصراعات داخل البيت الاموي.

مصادر ابي مخنف في روايته

الملاحظ في اخباره المتناثرة في كتب التاريخ ولاسيما الطبري انه يروي كثيرا عن ابيه يحيى او عمه او احد بني عمومته او اشياخه مثل حميد بن مسلم من حي الازد في الكوفة،ويبدو الاهتمام بالشأن السياسي واضحا في هذا الحي الكوفي الذي سكنته قبيلة الازد اليمانية،ومما يميز ابي مخنف ان رواياته اختصت بالكوفيين حتى اعتبره المؤرخون المحدثون صاحب مدرسة الروي العراقية.

المقتل النتداول حاليا والمنسوب لابي مخنف

اشار الاستاذ سعد الخزرجي الى ان الايدي اليوم تتداول كتاب مقتل الامام الحسين المنسوب زورا لابي مخنف ،فمن الواضح من مراجعة هذه النسخة انها منحولة ومنسوبة كذبا لابي مخنف والدليل على ذلك يكمن في :

1-    اخطاء السنين : حيث يذكر المتأخرين مثل محمد بن السائب (ت 206 هـ) او الكليني (ت329هـ) بأنهم حدثوا ابي مخنف المتوفي بحدود( 157هـ).

2-    استعمال مفردات من اللغة العامية بالتأكيد لم تكن مستعملة في زمن ابي مخنف.

3-    ذكر مقتل اشخاص مع الحسين (ع) مع العلم انهم لم يحضروا واقعة كربلاء كالطرماح بن عدي .

4-    نسب ابيات شعرية قالها شعراء متأخرون للامام الحسين (ع).

5-    وجود اخطاء كثيرة في التواريخ ،وعدم دقة في ذكر تفاصيل الواقعة.

الرواية والقص

ويذكر الاستاذ سعد الخزرجي ان الروي او القص مهنة ولها رجالها خصوصا في القرن الاول او الثاني،من ذكر وقائع العرب قبل الاسلام وبعده،وحتى عهود قريبة،فيها الكثير من الصحيح وفيها القليل من الخيال ،والرواة انواع ،منهم من يحضر المعركة وينقل ما يدور فيها،وننشبههم بزمننا الحاضر بالمراسلين الحربيينوفيهم القصاصونالذين يحضرون المعارك ويثيرون عزيمة المقاتلينبذكر وقائع رسول الله ،كما جرى في معارك عين الوردة عام 65هـاو معارك ابن الاشعث مع الحجاج عام 81-83هـ.

وهنالك من نقل اخبار الشعوب الاخرى كالفرس مثل النضر بن الحارث قبل الاسلام،كما يذكر المؤرخون بعض اهل المدينة ممن تلقى ما عند اهل الكتاب من اليهود ونقل عنهم قصص الانبياء والمرسلينمثل سويد بن الصمتالذي نقل عنه الطبري ومحمد بن اسحاق الذي دون احاديث ما قبل الاسلام والتي تنتهي سنادها بعبارة بعض اهل العلم من اهل الكتاب الاول.

مقارنة مقتل ابي مخنف مع باقي المقاتل

تناول الاستاذ الخزرجي بالمقارنة مقتل ابي مخنف مع بقية المقاتل من عدة نواحي :

1-    عدد القتلى:ورد في مقتل ابي مخنف المذكور في تاريخ الطبري طبيعة المعركة من مبارزة وارتجاز الاشعار والحملات من الطرفين ،وفي رواية ابي مخنف يذكر اسم من تقدم للقتال وان كان من الهاشميين ام من انصار الحسين ويذكر هذه الجملة (قاتل قتالا شديدا حتى قتل)او (قاتل قتال الابطال حتى قتل) ولم يذكر عدد من قتل من الجانب الاخر سوى في بعض المواضع. وقد توافق الخوارزمي في مقتله مع ابي مخنف مع بعض الفوارق القليلة ،لانه اخذ عن ابن اكثم في كتاب الفتوح ،وابن اكثم كما هو معلوم كان قد استند الى رواية ابي مخنف.

2-    ذكر المتأخرين منرواة المقتل معجزات حدثت بعد مقتل الامام الحسين لم يذكرها ابي مخنف مثل ذكر الخوارزمي عن ابن اكثم ؛ارتفعت في السماء غبرة شديدة مظلمة فيها ريح حمراء ،لايرى فيها عين ولا اثر حتى ظن القوم ان لعذاب قد جاءهم فلبثوا في ذلك ساعة ثم انجلت عنهم،بينما نجد الامر روي بشكل مختلف لدى المتأخرين كما في الملهوف لابن طاووس الذي ذكر وصف مقتل عبد الله الرضيع في حجر والده الحسين (تلقى الدم بكفه حتى امتلأت ،ورمى به نحو السماء وقال اهون علي ما نزل بي انه بعين الله ،واضاف قال الباقر ،فلم يسقط من لك الدم قطرة الى الارض) كما ذكر الصدوق في الامالي وهنا نحن نتحدث عن نهاية القرن الرابع الهجري (381هـ)قال(لم يرفع في بيت المقدس حجر على وجه الارض الا وجد تحته دم عبيط،وابصر الناس الشمس على الحيطان حمراء كانها الملاحف المعصفرة،الى ان خرج علي بن لحسين بالنسوة ورد رأس الحسين الى كربلاء) وهنا يمكن ان نلاحظ بتقادم الزمن كيف يمكن ان تتحول عاصفة ترابية حمراء ،وهو امر منطقي الحدوث في منطقة شبه صحراوية مفتوحة ،تتحول هذه العاصفة الى وجود الدم وكانما شبه الغبار الاحمر بالدم التناثر في كل مكان.

3-    كما يجب ان نؤكد على ظهور موضوع الكرامات في الروايات المتأخرة لحادثة مقتل الامام الحسين مثال ذلك ما رواه المجلسي عن البحار ؛(برز من معسكر عمر بن سعد رجل يقال له تميم بن حصين نادى الحسين ،اما ترى الى الماء الفرات يلوح كأنه بطن السماء ،والله لا ذقتم منه قطرة حتى تذوقوا الموت جزعا،فقال الحسين اللهم اقتله عطشا في هذا اليوم،فخنقه العطش حتى سقط عن فرسه فوطأته الخيل بسنابكها فمات.

الخاتمة

مما سبق يتضح لنا اهمية تناول التراث ،ومفاصله حتى الحساس منها بعين نقدية ،والعمل على غربلة النصوص بطريقة علمية تقوم على فهم ودراسة وقائع التاريخ والعوامل السياسية والفقهية وحتى الاقتصادية والاجتماعية والطقوسية التي تسببت في اعادة  تشكيل العقلية التي تنتج روايات متجددة بعد مئات السنين لنفس الحادثة التاريخية ،وهذا لايعني باي شكل من الاشكال اننا ننتقص من قيمة ما ذكر في المصادر التاريخية ،وانما يجب ان نتعامل بحذر ووعي مع الروايات التاريخية لكي نصل الى نتائج تقربنا الى الحقيقة العلمية التاريخية ولا  تجعلنا نسير ونحن مغلقي العيون باتجاه التعصب والافكار المنغلقة التي قد تسيء الى حاضرنا ومستقبلنا.

    

وسائل اسناد السلطة وشرعية الحكم  

ضمن تناول الموضوعات القانونية التي تمس حياة المواطن العراقي وضمن سعيها للتعريف بمختلف جوانب الثقافة والعلوم الانسانية والتقنية استضافت مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 20 ايلول / سبتمبر 2017 الدكتور عبد الحسن السعدي في أمسية ثقافية تحدث فيها عن وسائل اسناد السلطة وشرعية الحكم .

الدكتورعبد الحسن السعدي ولد عام 1938 ،اكمل دراسته الاولية والجامعية في العراق ،حصل على بكالوريوس قانون من جامعة بغداد 1962، ماجستير القانون العام - جامعة القاهرة 1978،دكتوراه القانون العام - جامعة القاهرة 1983، ومارس التدريس في عدة جامعات منها جامعة الجزائر 1984 والجامعة العالمية للعلوم الاسلامية في لندن، اشرف على عدد كبير من رسائل الماجستير والدكتوراه وله عدد من المؤلفات في القانون الدستوري والقانون الدولي الخاص والمالية العامة تحت الطبع.

المقدمة

ابتدأ الدكتور السعدي محاضرته بالتعريف ببعض المفاهيم التي تمثل مفاتيح لفهم موضوع السلطة والشرعية والحكم ووسائل اسناده قائلا؛إن الدولة حسب نظرية القوة هي نتاج القوة المادية فمصدر السلطة الأولى سواء في العائلة او القبيلة او المدينة كان التفوق بالقدرة و خاصة الجسدية و المادية . فالجماعات الأولية كانت تعيش في صراع مستمر مع بعضها ، وقد نتج عن هذا الصراع انتصار جماعة منهم على غيرها فأصبح هناك غالب يفرض إرادته على المغلوب ، ويمد سلطانه على إقليم معين فوجدت الدولة ، فالحرب حسب نظرية القوة هي التي تلد الدولة ، كما أن وظيفة الدولة الأولى هي الدفاع عن وجودها ، وقد اتفقت النظريات القانونية والسياسية الحديثة على ان تعرف الدولة بأنها ، شعب مستقر على إقليم معين ، وخاضع لسلطة سياسية معينة ، وهذا التعريف يتفق عليـه أكثر الفقهاء لأنه يحـتوي العناصر الرئيسة التي لا بد من توفرها لقيام أي دولة، وهي الشعب ، والإرض والسلطة وإن اختلفوا في صياغة التعريف، ومرد هذا الاختلاف إلى أن كل فقيه يصدر في تعريفه عن فكرته القانونية للدولة.

 اما بالنسبة لمفهوم او مصطلح الحكومة فان المصطلح يستخدم تعبيراللدلالة عن معان مختلفة فقد يستخدم تعبير الحكومة للدلالة على نظام الحكم في الدولة، أي كيفية ممارسة صاحب السيادة للسلطة العامة و شكل الحكم، وفي هذا الإطار يجب عدم الخلط بين شكل الحكم أو الحكومة و شكل الدولة.و قد يستخدم تعبير الحكومة للدلالة على مجموعة الهيئات الحاكمة أو المسيرة للدولة، أي السلطات العامة في الدولة من تشريعية و تنفيذية و قضائية. و يستخدم تعبير الحكومة أحياناً للدلالة على السلطة التنفيذية، أي رئيس الدولة و الوزارة، أي الهيئة المكلفة بتنفيذ القوانين و إدارة المرافق العامة. و قد يقصر البعض استخدام تعبير الحكومة للدلالة على الوزارة فقط، أي أحد جوانب السلطة التنفيذية. و هذا الاستخدام شائع في الدول ذات الأنظمة البرلمانية، حيث يقال عادةً الحكومة مسؤولة أمام البرلمان كمرادف للقول بأن الوزارة مسؤولة أمام البرلمان.

اما فيما يخص مفهوم السيادة فبامكاننا القول إن تمتع الدولة بالسيادة يعني أن تكون لها الكلمة العليا التي لا يعلوها سلطة أو هيئة أخرى . وهذا يجعلها تسمو على الجميع وتفرض نفسها عليهم باعتبارها سلطة آمرة عليا . لذلك فسيادة الدولة تعني وببساطة أنها منبع السلطات الأخرى. فالسيادة أصلية ولصيقة بالدولة وتميز الدولة عن غيرها من الجماعات السياسية الأخرى .والسيادة وحدة واحدة لا تتجزأ مهما تعددت السلطات العامة لان هذه السلطات لا تتقاسم السيادة وإنما تتقاسم الاختصاصومن مظاهرالسيادة ما يلي : 

  1. المظهر الداخلي : وهو أن تبسط السلطة السياسية سلطاتها على كل ارجاء الدولة . بحيث تكون هي السلطة الآمرة التي تتمتع بالقرار النهائي .

  1. المظهر الخارجي : يعني استقلالية الدولة وعدم خضوعها لدولة أخرى(السيادة بالمظهر الخارجي مرتبطة بالاستقلال ) .

الحكومة من حيث مصدر السلطة

تنقسم الحكومة من حيث مصدر السلطة أو السيادة إلى ثلاثة أشكال : فإما أن يكون مصدرها فرداً واحداً و تسمى بالحكومة الفردية، أو يكون مصدرها فئة قليلة من الأفراد و تسمى بحكومة القلة أو الأقلية، أو يكون مصدرها مجموع الشعب فتسمى بالحكومة الديمقراطية.

  1. : الحكومة الفردية :  هي الحكومة التي تتركز فيها السلطة في يد فرد واحد. ففي نظام الحكم الفردي يمارس فيه الرئيس سلطة لا تعرف حدوداً، يستمدها من ذاته، و قد يكون وصل إلى السلطة عن طريق الوراثة فيسمى ملكاً أو إمبراطوراً أو أميراً…، أو عن طريق القوة أو حتى الانتخاب، بفضل مقدرته الذاتية و كفايته الشخصية و يسمى طاغيةً أو ديكتاتوراً …، و في كلا الحالتين لا يضطلع المواطنون بأية حرية في تحديد شكل الحكم، و إنما هم مجرد محكومين. فالحكم الفردي تقليدياً عرف في ملكيات الحق الإلهي الذي كان سائداً في القديم أو حكم الطغاة. و حديثاً يعتبر الحكم الديكتاتوري أحد أهم مظاهر الحكم الفردي. في الحقيقة لا يوجد صورة واحدة من الأنظمة الديكتاتورية الفردية التي سادت و تسود في دول عالمنا، فهذه الأنظمة هي نتاج الاعتبارات السياسية، و الاجتماعية و الاقتصادية التي مرت بها كل دولة. و في الحقيقة أن عامل الوقت أو الظرفية الذي رافق هذه الاعتبارات لعب دوراً حاسماً في وصول هذه الأنظمة لسدة الحكم. و لكن على الرغم من ذلك يوجد قواسم مشتركة بين هذه الأنظمة الديكتاتورية سواء من الناحية الفلسفية أو الإيديولوجية التي تنطلق منها أم من ناحية التنظيم السلطوي لها.

  1. حكومة الأقلية أو الأوليغارشية :يدل تعبير الأوليغارشية أو حكومة الأقلية، على أن الحكم أو السلطات يعود إلى فئة أو قسم من أفراد الشعب. و بذلك يتميز حكم القلة من جهة أولى عن الحكم الفردي حيث تعود السلطة لفرد واحد، و من جهة ثانية عن الحكم الديمقراطي حيث تعود السلطة لمجموع أفراد الشعب. و هناك شكلان قديمان لحكم الأقلية هما : حكم الأثرياء و حكم الأرستقراطيين. ففي حكم الأثرياء يقصر حق ممارسة الحكم على فئة معينة من المواطنين، الذين يتوافر لديهم نصاب مالي معين من الثروة أو دفع الضرائب، أي يؤخذ بحق الاقتراع المقيد بنصاب مالي. و في الحكم الأرستقراطي يعهد بالسلطة السياسية إلى طبقة اجتماعية متميزة، تعتبر أفضل من غيرها. و في كلا الحكمين، تعتبر الأقلية الحاكمة السلطة التي تمارسها ملكاً خاصاً لها، و تحكم من أجل مصلحتها الخاصة، و تستفيد من امتيازات ممنوعة على بقية المواطنين. و يمكننا اعتبار النظام الذي أقيم في الاتحاد السوفيتي السابق بعد انتصار الثورة البلشفية عام 1917، نوعاً من الحكومات الأوليغارشية أو حكومات الأقلية، حيث أعلنت دساتير الاتحاد السوفيتي المتلاحقة، دستور 1918 و دستور 1924 و دستور 1936، التي اعتبرت أن ممارسة السلطة السياسية حكر لطبقة الشغيلة أو البروليتاريا ، إلى أن جاء دستور 1977 و أعلن بأن الدولة السوفيتية أنجزت مهمات ديكتاتورية البروليتاريا و أصبحت دولة الشعب بأسره.

  1. الحكومة الديمقراطية : هي الحكومة التي تكون فيها السيادة لجميع أفراد الشعب، و ليست حكراً على فرد كما في الحكم الفردي، أو على فئة من الشعب كما في حكم الأقلية. فالديمقراطية هي نظام حكم يتميز بمشاركة المواطنين في إدارة شؤون الدولة. و هذا النوع من أنواع الحكم هو النظام الوحيد المقبول في أنظمة دول عالمنا المعاصر، التي تدعي جميعها بأنها تقوم على أساس ديمقراطي. و ضمن الأنظمة السائدة في دول عالمنا يمكن تصنيف عدة أنواع، أو بالأحرى درجات للديمقراطية، و ذلك حسب جسامة الفجوة الموجودة بين الأساس النظري للديمقراطية و التطبيق العملي لها، لذلك يمكن القول إنّ هناك، أنظمة ديمقراطية فعلية، و أنظمة تبحث عن الديمقراطية، و أنظمة تدعي الديمقراطية.

وسائل إسناد السلطة

تختلف وسائل إسناد السلطة من دولة لأخرى ، ومن نظام سياسي لأخر ، إلا أنها تنحصر في نوعين رئيسين ، يتمثل احدهما في الوسائل الديمقراطية ، بينما يتمثل الاخر في وسائل غير ديمقراطية ، والاخيرة تتمثل في  الوراثة والاختيار الذاتي لشخص الحاكم والانقلاب بينما الوسائل الديمقراطية تتمثل اساسا في الانتخاب الذي يعد الوسيلة الوحيدة لاسناد السلطة مما جعله يحتل مكانة بارزة اذ اهتمت به مختلف الانظمة السياسية وفقهاء القانون الدستوري على وجه الخصوص وصدرت التشريعات المنظمة لاحكامه حتى اصبح مجال الانتخابات يمثل نظاما مستقلا .

فاذا كان الانتخاب من بين الطرق الديمقراطية لاسناد السلطة او البقاء فيها ، فانه لا يمكن ان يكتسب هذه القيمة الا اذا اقترن بوجود نظام انتخابي عادل يضمن للناخب حق الاقتراع ، وللمشرع حق الترشح الحر، ويحقق المساواة بين الناخبين من جهة، والمترشحين من جهة اخرى ، فهو عماد الحث المستديم للديمقراطية النيابية ، والركيزة الاساس في كل اصلاح سياسي واداري واجتماعي ، وبذلك فان افساده يؤدي الى فساد الديمقراطية او انحطاطها .

ان النظم الانتخابية في مفهومها الاساسي تعمل على ترجمة الاصوات التي يتم الادلاء بها في الانتخابات الى عدد المقاعد التي تفوز بها الاحزاب والمرشحين المشاركين ، لذا فان النظام الانتخابي باعتباره وسيلة تهدف في حقيقة الامر الى تحقيق المساواة بين الناخبين و المترشحين من خلال تقنيات مختلفة ، فتعدد النظم الانتخابية وتشعب تاثيرها على النظام السياسي ككل ، يجعل عملية اختبار اي منها من بين اهم القرارات في الدول الديمقراطية فاختيار النظام الانتخابي له تاثيره على طريقة ترسيم الدوائر الانتخابية ، وكيفية تسجيل الناخبين ، وكيفية تصميم اوراق الاقتراع ، وكيفية فرز الاصوات ، بالاضافة الى العديد من الجوانب الاخرى للعملية الانتخابية .

وتعد مسالة انتقاء النظام الانتخابي من اهم القرارات بالنسبة لاي نظام ديمقراطي، ففي غالبية الاحيان يترتب على انتقاء نظام انتخابي معين تبعات هائلة على مستقبل الحياة السياسية في البلدالمعني ، حيث ان النظم الانتخابية المنتقاة تميل الى الديمومة ، في الوقت الذي تتمحور الاهتمامات السياسية المحيطة حول ما يمكنها من الاستفادة من المحفزات التي توفرها تلك الانظمة . وعليه فان الخلفية وراء انتقاء النظام الانتخابي قد تكون بنفس اهمية الخيار المعتمد ذاته ، فعملية انتقاء النظام الانتخابي هي مسالة سياسية بالدرجة الاولى ، وليست مسالة فنية يمكن لمجموعة من الخبراء المستقلين معالجتها ، فغالبا ما تكون المصالح السياسية في صلب الاعتبارات ، ان لم تكن الاعتبار الوحيد ، التي يتم الاخذ بها في عملية انتقاء النظام الانتخابي من بين الخيارات المتوفرة ، والتي لذلك السبب بالذات ، عادة ما تنحصر في عدد قليل من الخيارات وبنفس الوقت تؤدي الحسابات السياسية قصيرة المدى الى التقسيم على النتائج طويلة الامد للانظمة الانتخابية ، وذلك على حساب المصالح الاكبر للنظام السياسي العام .

مفهوم الديمقراطية

الديمقراطية كما عرفها إبراهام لنكولن "هي حكم الشعب، من قبل الشعب، و من أجل الشعب"، هذا التعريف الأكثر شيوعاً لمفهوم الديمقراطية كنظام للحكم، يعنى بأن الحكم يكون ديمقراطياً عندما يكون المحكومون هم الحكام، أو عندما يشترك أكبر عدد من المحكومين في ممارسة السلطة، بيد أن هذا التعريف لا يعبر بشكل دقيق عن الأنظمة السياسية التي سادت عالمنا،واعتنقت مفاهيم مختلفة للديمقراطية، نتيجة تفسيرات مختلفة لهذا المفهوم السياسي الذي يعتبر محور الفكر السياسي في العالم.

الأوجه المختلفة لمفهوم الديمقراطية 

 في الحقيقة إن الأفكار السياسية الداعية للديمقراطية المؤسسة على فكرة سيادة الشعب و أنّ الحكم للجميع قديمة جداً. فالديمقراطية التي هي كلمة يونانية مركبة منDemos و معناها الشعب و Kratos و معناها السلطة أو الحكم، كانت مطبقة في بعض المدن اليونانية القديمة و في روما، و تعود بجذورها إلى الفلاسفة الإغريق و خصوصاً أفلاطون و أرسطو. و بدون الدخول في الأصل التاريخي لمصطلح الديمقراطية، فإن مفهوم الديمقراطية كتعبير عن نظام حكم معين، كان موضوعاً أساسياً في الصراع بين المذاهب السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية التي سادت التاريخ الإنساني منذ نهاية القرن الثامن عشر حين أصبح الفكر السياسي يذكر مصطلح الديمقراطية مقروناً بإحدى المفردات المعبرة عن هذه المذاهب مثل : الديمقراطية الليبرالية أو البرجوازية، و الديمقراطية الاشتراكية أو الاجتماعية، و الديمقراطية التوتاليتارية (الشمولية) أو السلطوية، و الديمقراطية الشعبية، و الديمقراطية الصناعية، و الديمقراطية الإسلامية، و التكنو-ديمقراطية …الخ.

صور الحكم الديمقراطي

يتميز الحكم الديمقراطي، كما أشرنا سابقاً، بإشراك الشعب في ممارسة السلطة، سواء قلنا إنّ السيادة تعود، من الناحية الفلسفية، للأمة أو للشعب. و تختلف صور الحكم الديمقراطي تبعاً لكيفية أو لمدى مشاركة الشعب في ممارسة السيادة أو السلطة. وبهذا الصدد يمكننا أن نميز ثلاثة صور للحكم الديمقراطي : الديمقراطية المباشرة، الديمقراطية شبه المباشرة، و الديمقراطية التمثيلية.

  1. الديمقراطية المباشرة:- لكي نفهم ماذا نقصد بالديمقراطية المباشرة، يجدر بنا تحديد مضمون هذه الديمقراطية و تطبيقاتها و مستقبلها حيث .تعتبر الديمقراطية المباشرة النموذج المثالي للحكم الديمقراطي، لأنها تسمح للشعب بممارسة السلطة بنفسه، فيكون المواطنون محكومين و حكاماً في نفس الوقت.فالديمقراطية المباشرة نظام بمقتضاه يباشر الشعب، صاحب السيادة، السلطة بدون وسيط من نواب أو ممثلين عنه، فيتولى الشعب السلطات جميعها من تشريعية و تنفيذية و قضائية (يضع القوانين، و يشرف على تنفيذها و على سير المرافق العامة، و يقيم القضاء بين أفراده). فالشعب يجتمع بشكل جمعية عامة من أجل إقرار القوانين، و اتخاذ القرارات الحكومية كتعيين الموظفين و إبرام العقود و المعاهدات، و يتخذ القرارات القضائية.

  1. الديمقراطية شبه المباشرة:- هي نظام وسط بين الديمقراطية المباشرة و الديمقراطية التمثيلية. حيث تأخذ الديمقراطية شبه المباشرة ببعض مظاهر الديمقراطية المباشرة التي تعتمد على ممارسة الشعب للسيادة بدون وسيط، و تعتمد أيضاً بعض مظاهر الديمقراطية التمثيلية التي تعتمد، كما سنرى لاحقاً، على تفويض حق ممارسة السيادة إلى نواب أو هيئة نيابية تمثل الشعب، وتضطلع بمهام الحكم نيابة عنه. اما مظاهر الديمقراطية شبه المباشرة فيمكن ملاحظتها في عدة مظاهر أو وسائل تميز الديمقراطية شبه المباشرة فتجعل منها نظاماً وسطاً بين الديمقراطيتين المباشرة والتمثيلية. و يمكن إجمال هذه المظاهر في نقطتين : مشاركة الشعب في العمل التشريعي، و رقابة الشعب على البرلمانيين. وتتمثل مشاركة الشعب في العمل التشريعي في الاعتراض الشعبي، والاقتراح الشعبي، والاستفتاء الشعبي.و مما تجدر الإشارة إليه هنا، أن المبادرة في طرح أو اقتراح الاستفتاء الشعبي يمكن أن تعود (بحسب النص الدستوري) إلى السلطة التنفيذية، أو إلى المواطنين، أو إلى البرلمان . كما تجدر الاشارة الى رقابة الشعب على البرلمانيين ،ومن مظاهر رقابة الشعب على البرلمانيين : العزل الشعبي و الحل الشعبي. فالعزل الشعبي للنائب هو إجراء ديمقراطي شبه مباشر يعزل بموجبه بناء على طلب شعبي البرلماني في البرلمان (أو من يشغل وظيفة عمومية بالانتخاب) لكونه لم يعد يحظى برضى الناخبين. و العزل الشعبي، الذي أساسه التقليد الإنكليزي في مجلس العموم، يفسر نوعاً من الحذر تجاه الديمقراطية التمثيلية، و يجسد نوعاً من الرقابة الشعبية المستمرة على السلطة. و من الناحية العملية و الفنية يتم العزل الشعبي على النحو التالي : يطلب عدد معين من المواطنين الناخبين (يحدده الدستور) عزل نائب معين، و في هذه الحالة يتم إجراء انتخابات جزئية أو فرعية على المقعد الذي يشغله هذا البرلماني، و يمكن، أو يتوجب، على البرلماني محل العزل الترشيح، فإذا حصل هذه البرلماني على الأقلية ينسحب و يحل محله من حصل على الأغلبية، و إذا حصل البرلماني محل العزل على الأغلبية يعتبر و كأنه أعيد انتخابه. اما الحل الشعبي للبرلمان فانه يتم عندما يكون العزل الشعبي يتناول جميع أعضاء المجلس أو البرلمان، و من الناحية العملية و الفنية يتم هذا الأمر على النحو التالي : يطلب عدد معين من المواطنين الناخبين (يحدده الدستور) حل البرلمان، فيتم تنظيم استفتاء شعبي حول هذا الموضوع، فإذا كانت نتيجة الاستفتاء بالرفض فيبقى البرلمان، وإذا كانت النتيجة بالإيجاب فتتم الدعوة لانتخابات جديدة. هذا الأسلوب كان مطبقاً في بعض المقاطعات الألمانية، و لا يزال مطبقاً في بعض المقاطعات السويسرية.

  1. الديمقراطية التمثيلية أو النيابية :- المقصود بالنظام التمثيلي، أو الديمقراطية التمثيلية، النظام الذي يمارس فيه الشعب السلطة بواسطة ممثلين أو نواب (و لذلك يسميه البعض بالنظام النيابي)، أي أن مجموع المواطنين الذين يشكلون الجسم الانتخابي (من يملك من المواطنين حق الانتخاب) يقومون بانتخاب ممثلين أو نواب عنهم، يباشرون السلطة مكانهم و باسمهم.و كما أشرنا سابقاً فإن القول بنظرية سيادة الأمة، كإحدى النظريتين الديمقراطيتين لتفسير أساس السلطة، يؤدي بالضرورة إلى نظام حكم قائم على التمثيل. بمعنى آخر إن النظام التمثيلي هو النتاج الطبيعي لنظرية سيادة الأمة. هذا النظام التمثيلي يمكن تعريفه بأنه النظام الذي تكون فيه الهيئة التمثيلية (المنتخبة) بموجب الدستور مالكةً التعبير عن إرادة الأمة. و قد أخذت الغالبية العظمى من الدول الديمقراطية بالنظام التمثيلي المستند إلى مبدأ سيادة الأمة، لاعتبارات : مادية و عملية، و عقلانية و سياسية.واجه النظام التمثيلي، و يواجه حتى اليوم الكثير من النقد. و يمكن أن نميز في هذا الإطار تيارين أساسيين: الأول ينتقد الديمقراطية التمثيلية، و يراها بأنها ليست النظام الأفضل، و يحاول التغلب على السلبيات الناجمة عنها، و ذلك عن طريق بعض الآليات الإضافية التي اشرنا لها مثل مظاهر رقابة الشعب على البرلمانيين المتمثلة في العزل الشعبي و الحل الشعبي، أما التيار الثاني فيرى أن الديمقراطية التمثيلية ليست سوى نظام فاسد لا يمكن إصلاحه من خلال بعض التعديلات عليه، و لكن لابد من تغييره كاملاً و إحلال نظام جديد محله. وحتى أنصار النظام التمثيلي يرون أنه لا يخلو من بعض الانتقادات، و لكن يعتبرونه كنظام هو أفضل الممكن الذي توصلت له الفلسفات الانسانية حتى الان.

آلية إسناد السلطة في النظام التمثيلي

إنّ مبدأ مشاركةالشعب أو المواطنين في السلطة يعتبر من أهم المبادئ التي تميز النظام التمثيلي. هذه المشاركة في السلطة تتم من خلال الانتخاب، الذي يعتبر الوسيلة الأساسية لإسناد السلطة في الديمقراطية التمثيلية. فوجود برلمان منتخب من الشعب يعتبر جوهر النظام التمثيلي. و لكن هناك عدة عوامل تسهم في الوصول إلى البرلمان المنتخب، و قد تؤثر هذه العوامل سلباً أو إيجاباً في التقريب أو الابتعاد عن محتوى فكرة الديمقراطية، التي تقوم على قاعدة المشاركة الشعبية بأوسع نطاق.

لكن يجب ان نشير الى ان ممارسة السلطة لا تتحقق وفقا للمبادئ الديمقراطية الا اذا كانت هناك نصوص تبين اختصاصات كل هيئة ووسائل احترامها وتبين حقوق وحريات الأفراد وضمانات ممارستها ذلك أن ما يلاحظ على الأنظمة السياسية المعاصرة هو ذلك التفاوت بين ما تتضمنه النصوص والممارسات الواقعية بسبب تضارب المصالح وتعارض الاتجاهات في ظل تنظيمات محكمة تعتمد على وسائل عديدة على رأسها الإعلام الذي توظفه الفئة الحاكمة لخدمة برامجها و أحيانا فوضها الى جانب وسائل الاكراه الأخرى . المتنوعة المستعملة لضرب كل محاولة تستهدف المساس بالنظام بمفهومه الواسع ومن هنا تتحقق مقولتنا المتمثلة في أن المواثيق والدساتير والقوانين والمؤسسات لا تعتبر سوى وسائل أو أطر يستعملها الإنسان لتحقيق أغراض معينة.

 

ضيفت مؤسسة الحوار الانساني يوم الاربعاء 26 تموز 2017 الكاتب والصحفي العراقي الاستاذ عبد المنعم الاعسم في امسية ثقافية توقف فيها عند توصيف مصطلح ( بلد منازعات.. و مجتمع نزاعات) وناقش دور الاسلام السياسي والاحتلال والتدخل الاقليمي في تلغيم العلاقات بين الافراد والجماعات.

ولد عبد المنعم  الاعسم في مدينة المحمودية في اربعينات القرن الماضي، تخرّج في دار المعلمين، غادر العراق عام 1978، حصل على ماجستير صحافة من جمهورية رومانيا، أصدر سبعة كتب في التراث والسياسة. يكتب عمودا صحفيا يوميا عنوانه (جملة مفيدة) طوال 18 عاما، مُنح قبل عامين جائزة «شمران الياسري للعمود الصحفي» في مهرجان جريدة طريق الشعب السنوي ، يشغل عبدالمنعم الاعسم الآن موقع رئيس النقابة الوطنية للصحفيين العراقيين.


المقدمة

ابتدأ الاستاذ الاعسم محاضرته بتساؤل ؛ هل ستكون هذه المحاضرة متفائلة ام متشائمة؟ واجاب بالقول انها ستكون متفائلة في جانب ومتشائمة في جوانب اخرى لان من الصعوبة ان نتحدث عن الوضع العراقي بتفاؤل فقط فنكون غير واقعيين او العكس فنكون غير منصفين،ثم اضاف ؛سنسلط الضوء على عراق المنازعات من ناحية منظورات في سلوك الفرد والجماعة.

وابتدأ الاعسم بالقول؛ بالتأكيد هو موضوع شائك ،وذكر انه حاول كتابته بطريقة التحقيق الصحفي الذي يقترب من الصحافة الاستقصائية ،اي الامساك بالموضوع ومحاولة تحليله واغنائه بالمعلومات والاقتراب من علم النفس الاجتماعي ومناهجهة في التعاطي مع المشاكل التي سنحاول دراستها للتعرف على توصيف علمي للمجتمع،ومن خلال مناهج علم النفس الاجتماعي سنحاول تتبع سلوك الافراد والجماعات وردود الافعال التي يعبر عنها بمختلف الاشكال.

لقد تناول عدد من الباحثين ما وصل اليه حال المجتمع العراقي ،ومن الكتابات المهمة في هذا المجال ما كتبه د.قاسم حسين صالح  استاذ علم النفس في جامعة بغداد،كما تجدر الاشارة الى دراسات د.ابراهيم الحيدري استاذ علم الاجتماع كخلفية لفهم الواقع الاجتماعي العراقي . ان العراق كمجتمع منازعات ليس حالة شاذة اوغريبة ،فهو يشترك مع عدد من الدول التي مرت بنفس الظروف بهذه الصفة . وما يعننا في هذا التناول هو الحاضر في المجتمع العراقي وما تشهده مكوناته من نزاعات غير مسلحة ،وهو بذلك يشترك مع عدد من الدول التي اسماها عالم الاجتماع الان تورين (مجتمعات متخاصمة مع نفسها) وهو توصيف وثيق الصلة بالمعنى العام للمشكلة المتمثلة بمكونات اجتماعية متخاصمة مع بعضها ومتخاصمة مع نفسها.

ويمكن ملاحظة الافراد في مجتمعنا وهم يقودون صراعات شرسة مع اخرين ،ويتفق باحثي العلوم الاجتماعية ممن تناولوا المجتمع العراقي بالدراسة ان الفرد العراقي متخاصم مع غيره ومتخاصم مع نفسه فهو لايقدر ان يتحكم بأقداره ولايستطيع ان يغير قدره بنفسه ،لذلك تحول الفرد الى متلقي لما سيحل به من اقدار مخبوئة او ظاهرة.ثم اضاف الاستاذ منعم الاعسم قائلا؛سأبتعد عن تناول الصراعات السياسية لانها معروفة جيدا من قبلكم ،لذلك لن أخوض فيها الا بقدر بسيط يخدم الفكرة، ويمكننا ان نوجز ما اوصل العراق الى دولة منازاعات  بمايلي:

•المسؤولية موزعة بالتساوي بين دكتاتورية النظام السابق والاحتلال الاجنبي الذي اسقط النظام السابق.

•الفئات او الطبقة السياسية التي اعقبت الاحتلال وفشلها ومسؤوليتها عن الصراعات السياسية والفساد الذي تصدر المشهد السياسي.

•التدخلات الاقليمية التي ادت الى اغراق العراق في النزاعات والصراعات والاقتتال بالنيابة.

•سلبية المجتمع العراقي وعدم تعاطي الفرد العراقي بوعي مع ما يحصل ،وعدم التصدي الايجابي للمشاكل التي تكاثرت نتيجة اعادة تدوير الطبقة السياسية .

ثم اضاف الاستاذ الاعسم ؛ان ميدان مطالعاتي او الميدان الذي دخلته لاستنتج هو الشارع ،ورجل الشارع ولم اعتمد على رأي او طروحات النخب ، وقد خضت مناقشات مع الناس وراقبت حركتهم ،لكن تبقى قدرتي على ذلك محدودة اذ كانت في اغلب الاحيان مع مايمكن وصفهم بشريحة المتعلمين ،ولكن طبعا يضاف لهم اصحاب المصالح او المهن ،والعاطلون عن العمل ،المهمشون ،ربات البيوت ،ارامل ،فتيان وطلاب مدارس وجامعات ، وكانت منهجيتي اقرب للمنهج الانثروبولوجي المعروف بالمراقبة بالمعايشة ،حيث يقوم الباحث الانثروبولوجي بمراقبة المجتمع المدروس والاحتكاك بأفراده بغية فهم المشكلة قيد الدرس.

ويمكن من خلال المراقبة ان أصف المجتمع العراقي ببرميل البارود الايل للانفجار ،وهذا الانفجار قد يحدث في اي وقت ،لكن تتم السيطرة عليه و تأجيل الانفجار من قبل القوة المتحكمة بالوضع،وذلك لان المتحكمين بالسياسة ليس من مصلحتهم الانفجار الان، لذلك نراهم يعملون بتنسيق عالي على منع الانفجار او تأجيله قدر استطاعتهم.

وهنا تسائل الاستاذ الاعسم قائلا ؛لكن ماهو السبب في تحول العراق الى بلد منازعات؟ ليعدد مجموعة اسباب اوصلت العراق الى هذا الحال هي:

•الحرب : حيث زلزت القناعات الشعورية 

•الارهاب : الذي شق النسيج الاجتماعي نتيجة لعلة الرصاص في كل شارع.

•الاحتلال :فقد شاء الحظ العاثر ان يكون مسار الحرب والاحتلال والارهاب وكأنهم متفقون على تدمير البلد.

ماذا انتجت هذه العوامل المتفاعلة؟ ماذا انتجت الحرب على الارهاب؟ انتجت الاحتقان الطائفي بالتأكيد. ويشير عبد المنعم الاعسم الى انه مع الناس الذين يقولون ان الطائفية والاحتقان الطائفي كانت موجودة قبل الاحتلال لكنها بعد الاحتلال تحولت الى عامل انشقاق مجتمعي يصعب تجاوزه. فاذا اردنا التمحيص في مشكلة الطائفية التي تتركز في صراع سني شيعي في العراق،نجد ان رجل الشارع الشيعي يعتقد انه من طائفة الاكثرية ومن الطبيعي ان يحكموا وان التفجيرات والهجمات مرسومة بدقة للانتقام من الشيعة، في المقابل نجد رجل الشارع السني يرى ان الشيعة تعسفوا في استخدام السلطة والنتيجة تهميش مكانة السنة في المجتمع.

يشير الاعسم بالقول؛انا عندما اقول ذلك لا أضمن كلامي من هم يعملون في السياسة ،وانما ميدان تحليلي منصب بشكل رئيسي على الناس العاديين ،رجل الشارع العادي . ومن قراءة حال هذه الشريحة الواسعة نجد ان الحال قد وصل الى نقطة حرجة ،حيث يقول الطرفان ان لاامكانية للتعايش بين الطرفين في هذا البلد ... اذا السياسيون اوصلوا الناس الى هذه القناعة واوصلوهم الى اليأس من وجود حلول منطقية للمشكلة.

يضيف الاعسم ،كما تعلمون وصلت الذروة في عام 2005-2006 فيما عرف بالاقتتال الطائفي ،حيث سقط نهائيا مايمكن تسميته الثقة ،او ماتبقى من الثقة بين المكونين الاكبر في المجتمع، واصبحت المواجهة حتمية في احياء بغداد التي انشطرت بين المكونين عبر استقطاب طائفي وتطهير عرقي للمناطق مثل الدورة والبياع والسيدية...الخ حتى بنيت حواجز كونكريتية بين الاحياء لحمايتها من هجمات بعضها على البعض ،واذا تأملنا هذه الصورة نجد ان المكون الشعوري قد تخندق بين الطوائف وباتت كل المحاولات تسعى لتسقيف هذه الخندقة.

الجهات السياسية والزعامات الطائفية حاولت استثمار هذا الحال والاشتغال على تحويل الريبة والكراهية الى قوة تصويتية لحشد الاتباع بكراهية ،حتى تحصل على اصواتهم في الانتخابات السياسية،والعمل على ترسيخ قناعات المواطن بأنه لن يحمى الا بهذه الطريقة من خلال طائفته او جماعته.

ولكن يجب ان نسأل ماهي متطلبات الفرد؟ والاجابة هي ؛اولا ان يحصل على مورد يعيش منه او يوفر له مصدر دخل حياتي ،وثانيا ان يحضى بحماية وامن توفر له ملاذا امنا ليقوم بممارسة نشاطاته الحياتية بأطمئنان،لذلك تحول هذين الشرطين الى ادوات انتخابية ،ومن خلالهما يتم اللعب على تعميق الصراع الطائفي. كما تجدر الاشارة هنا الى ان من نتائج الاستقطاب الطائفي ظهور ما عرف الحافات لدى كل جهة ،حيث اظهرت الجهات المستقطبة قوى مسلحة حادة الموقف تتصدر الصراع المسلح بين الجماعات. السنة انتجوا اكثر من أحد عشر فصيلا مسلحا تحت تسميات مختلفة تستلهم الهوية الطائفية السنية،والشيعة بدورهم انتجوا العديد من الفصائل المسلحة المقابلة ربما كان ابرزها منظمة بدر وجيش المهدي الذراع العسكري للتيار الصدري وما خرج من عبائته من تيارات مسلحة اخرى.كانت هذه المجاميع كأنها لا تأتمر بالساسة لكن التقصيات اثبتت ان الكثير من هذه الفصائل المسلحة تابعة لجهات سياسية. ويتابع الاستاذ الاعسم بالقول؛ومن الادلة على ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما استمعت له من تجربة الزميلة الصحفية افراح شوقي وحادثة اختطافها والتحقيق معها وعن الجهة التي اختطفتها ،وهو امر يثبت ان هذه الحافات لاتخرج عن امرة قوى سياسية متنفذة في الحكومة والبرلمان والعملية السياسية .

ماهي الادوات الشعورية التي يتمسك بها الشيعة والسنة ؟ وماهي العوامل الشعورية التي تجعل ابناء السنة يتماسكوا ويصروا على التمسك بمناطقهم وحياتهم؟ ويجيب الاستاذ منعم الاعسم ؛ استطيع ان اجمل القول بما يمكن تسميته شفاء الغليل،فهم ينظرون بأرتياح للاحتراب داخل الوسط الشيعي ،وعندما تحدث مذابح في الاسواق او تفجيرات في شوارع الاحياء الشيعية تجد نوعا من شفاء الغليل ونوع من التعويض عن حجم السلطة التي انفرد بها الشيعة بعد التغيير،ويرون ان على الشيعة التخلي عن جزء من السلطة ليستتب الامر.

الاعلام العربي او العمق العربي وخاصة الخليجي من جانبه  لعب دورا او قدم نفسه كظهير لسنة العراق ،فهم يعولون على هذه الوشائج والعمق العربي الذي يمنح سنة العراق توازنا شعوريا تجاه التوتر الداخلي في العراق ويمنحهم الامل ان الامور ستعود لنصابها السابق يوما ما. اما الشيعة في الجانب المقابل فأنهم يشعرون انهم من خلال التجمعات المليونية في الزيارات والمناسبات الدينية بقوتهم وكتلتهم الضخمة التي تدعم شعور الافراد بالقوة والنفوذ وتطرد الخوف والمعاناة التي يتعرضون لها على يد الارهاب والتفجيرات والعمليات الانتحارية المستمرة منذ اكثر من عقد،كما ان المرجعية الدينية لعبت دورا أيجابيا في تنمية الشعوربالاستقرار ،كما لعبت وسائل الاعلام مثل الفضائيات والاذاعات الشيعية دورا كبيرا عبر تقديم الكثير من المعلومات والافكار مما خلق هوية متبلورة في وجه الاخطار التي تهدد هذه الهوية من وجهة نظر العاملين على هذه القنوات الاعلامية.كما ينظر الشارع الشيعي الى العمليات العسكرية بعين الارتياح ويجد فيها عناصر انتصار لمشروعه كما ينظر الى العامل الايراني بأعتباره عنصرا مساندا وموازنا لدعم الدول العربية لسنة العراق.

واضاف الاستاذ الاعسم قائلا ؛انه تناول الموضوع كما اشار في البدء ليس من الجانب السياسي وانما من الجانب النفسي الاجتماعي ،ثم اشار ؛ لذلك ساتناول حال بعض الشرائح في هذا الخضم مثال ذلك حال المرأة ،حيث بات مؤكدا ان اكثر من تعرض للاذى في المجتمع العراقي بعد 2003 هو المرأة العراقية لاسباب مختلفة، فقد فقدت معيلها ،زوجها او والدها او اخوها ،يعني رجل العائلة مما خلق تغيرا في الدور الاجتماعي للمرأة فقد اصبحت هي المعيل لاسرتها في الكثير من الحالات التي غاب فيها الرجل نتيجة الحرب والصراعات والاقتتال ،كما ان المرأة تكفلت بتوفير الامن لافراد اسرتها كما ادارت العلاقات الاجتماعية لعائلتها ،ان العدد المهول من الارامل يشير بوضوح الى المأساة التي تعيشها المرأة العراقية اليوم،كما ان المرأة قد تعرضت الى العنف المفرط المزدوج ان جاز التعبير ،فقد انتشرت ظاهرة العصابات المنظمة التي تمتهن الخطف وسرقة النساء بغية الحصول على الفدية،كما ان عودة ظاهرة الاستعباد والاسترقاق وتحويل المرأة الى جارية وبضاعة تباع وتشترى حصلت في العراق أبان الصراع مع عصابات داعش ،كذلك ونتيجة للعوز والفاقة فقد انتشرت ظاهرة الدعارة بصورة مخيفة مع غياب واضح للمعلومات التي تتناول هذا الامر وان متابعة بسيطة لمايحصل في علب الليل المنتشرة في بغداد وبعض المدن الكبرى ستدلنا على تفاقم هذه الظاهرة بشكل ملفت،وكمؤشر علمي لما نذكره من معاناة المرأة العراقية احب ان اشير الى تقرير منظمة اطباء بلا حدود الذي درس حال الاسر العراقية التي نزحت ابان الصراع الطائفي عام 2006 الى سوريا ،حيث يشير التقرير الى ان 90% من الاسر قد عاد الى العراق بعد استقرار الوضع ، وان %95من النساء يعانين من حالة حزن مفرط و 52%منهن مصابات بالشعور باليأس،كما تعاني 46% منهن من صعوبات في النوم وان 46%منهن يعانين من اعراض الوحدة المفرطة و43%اصبن بحالة التوتر المرضي، هذه حال شريحة صغيرة من معاناة نساء العراق اي المعاناة من الجانب النفسي فقط ضربناها كمثال لتبيان كارثة وضع المرأة في العراق.

انتقل الاستاذ عبد المنعم الاعسم الى نقطة اخرى بقوله؛اريد ان اتوقف عند توصيف (العراق بلد منزاعات) واقول ان هذا التوصيف لايحمل المجتمع الدولي اي مسؤولية ،لان اتفاقية جنيف وملاحقها الاربعة تعالج مشكلة الحروب بين الدول في المنازعات المسلحة او صراعات الدول على الحدود،وفي عام 1975 تطورت قوانين معالجة اوضاع الحرب ،ومع ذلك احب ان اقول ان ماجرى في العراق ومشكلاته العويصة لايعني المجتمع الدولي ،الذي ينظر الى الامر على انه مشكلات داخلية في بلد فيه حكومة كفيلة بحل هذه المشكلات مع تقديم بعض المساعدات في ذلك، وحتى مع تغير بعض القوانين في هذا الشأن خصوصا بعد 1977 حيث اضيفت لقوانين جنيف بعض التعديلات الخاصة بالثورة ضد النظام العنصري في جنوب افريقيا ،كما اضيفت الى القوانين موضوع حماية المكونات الصغيرة من الانتهاكات التي قد تتعرض لها،كل ذلك لايعني تحمل الامم المتحدة او المجتمع الدولي مسؤولية حل النزاعات الداخلية في العراق ،لكن يبقى الاهتمام الدولي منصبا على العراق والسعي نحو ايجاد حلول لاستقراره نتيجة ثراء العراق ولانه بلد نفطي غني.

في ظل هذا الاستقطاب لابد من الحديث عن جانب مهم من موضوع المنازعت في العراق ،وهو الجانب الكردي وحصته من الموضوع ،فقد جاء الاستفتاء حول حق تقرير المصير هذه الايام كنقطة فارقة في الموضوع،ونحن نعلم ان الحال لم يعد على ما كان عليه قبل ثلاث سنوات ،حيث كان الاقليم محسودا من الوسط والجنوب على استقراره ومستوى الخدمات التي تقدمها حكومة الاقليم مع مستوى معقول من التعايش والتسامح الذي ساد الاقليم ووفر مناخا مناسبا للعمل الحكومي،الا ان تراجع الموارد المالية وظهور الازمة الاقتصادية وتفاقمها وضغطها على معيشة الناس خلق جوا متوترا وارضية خصبة لصراعات الاحزاب في الاقليم داخليا او صراع الاقليم مع الحكومة المركزية ،واظهر فساد الحكومة وعدم قدرتها على توفير العيش الكريم لمواطنيها ،واضاف الاستاذ الاعسم ؛الحقيقة انا لااعرف الى اي نتيجة سينتهي هذا الامر،ما يعني ان المواطن الكردي اليوم يعيش حالة اضطراب شعوري ومخاض واحباط وخوف ، وان الحلم الذي كان يراوده في الحصول على دولته القومية يتبخر امام عينه نتيجة الخوف من المآسي التي لن يستطيع الصمود امامها في حال قرر التصويت للانفصال ، ومع الاحباط الذي يشعربه وهو مع الحكومة المركزية وخوفه من لحظات قوتها التي قد تبطش به في اي لحظة كما مر به في التاريخ القريب،بالاضافة الى محيط اقليمي ومحلي معاد بشكل واضح لكل طموحاته .

ويبقى السؤال الاخير الذي طرحه الاستاذ عبد المنعم الاعسم هل سيبقى هنالك شعب اسمه الشعب العراقي؟هذا ليس سؤالا تبسيطيا ولا ااستفزازيا ،فالكل يرتاب من جيرانه اليوم ،الشيعة والسنة والكرد ،اما الاقليات الصغيرة فان معاناتها باتت مضاعفة في صراع المكونات الكبيرة التي سحقتها في خضم هذا الصراع حتى وصلت المكونات الى الكفر بمبدأ الشراكة في الوطن ،لكننا سنبقى نبحث عن الحلول.

يجب رد الاعتبار للهوية الجامعة التي ستوفر غطائا قائما على المواطنة الحقة ،وهنا يجب ان ننبه الى عدم وجود رأي عام ،فليس هنالك قضية رأي عام في العراق اليوم ،نعم هنالك هياكل للشعب العراقي لكنها عرضة لان تعبث يها الرياح وتقسم الشعب الى مجموعات متناحرة طالما بقي هذا المشروع السياسي الذي فرض على البلاد بعد 2003 وادواته كالدستور الملغم الذي نعيش تحت طائلته القانونية والكتل السياسية الفاسدة والانتخابات وقوانينها المجحفة والزعامات السياسية ومشاكلها ،طالما كل ذلك بقي موجودا لا اضن ان مشاكل الشعب العراقي ستجد حلا للخروج من هذا المأزق الذي تعيشه.

لكن من جانب اخر هنالك كوة امل في القوى الاخرى صاحبة المصلحة في استقرار الوضع وخروج البلد من ازمته وهذه القوى متمثلة في النخب المثقفة ،القوى المدنية، الديمقراطيين،المتنوريين ،الشباب المناصر للحريات ،وانا ارى ان هذه القوى تستطيع تغيير الاقدار والمسار الذي دفعوا المجتمع العراقي للانحدار فيه ... بهذه الكلمات اختتم الاستاذ عبد المنعم الاعسم محاضرته. 

 

استضافت مؤسسة الحوار الانساني بلندن الاربعاء 2/08/2017 الاستاذ الدكتور باسل الساعاتي في محاضرة علمية قدم فيها عرضا لأسباب وقوع بعض الكوارث الصناعية والهندسية ،وبين الاسباب والمعالجات الهندسية لهذه الكوارث مثل غرق الباخرة (Titanic)، تحطم مركبتي الفضاء (Challenger) (Colombia)،كارثتي (Chernobyl) و (Fukushima) الإشعاعيتين وتسرب النفط من منصة (BP) في خليج المكسيك وإحتراقها.

ولد الدكتور باسل الساعاتي في بغداد 1946 ،حصل على بكالوريوس الهندسة الكيمياوية في جامعة بغداد 1967 ،ودكتوراة الهندسة الكيمياوية في جامعة  ويلز – سوانزي عام 1971، عمل حتى عام 1979 استاذا في كلية الهندسة – جامعة بغداد ،كما عمل من عام 1980 -1991باحثا علميا أقدما ثم رئيس مهندسين تصاميم في منظمة الطاقة الذرية العراقية ،وترأس قسم التصاميم الهندسية للعمليات الكيمياوية ،عمل بعدها 1992-1997 مديرا عاما للمنشأة العامة للتصاميم والإستشارات الهندسية في هيئة التصنيع العسكري ،غادر العراق عام 1999 وعمل في دولة الإمارات وسلطنة عُـمان كمهندس دراسات ومشاريع ثم مديرا لعدد من المشاريع التي تخص حقول النفط والغاز والبيئة.يعمل حاليا كمهندس تصاميم العمليات الكيمياوية مع عدد من الشركات في المملكة المتحدة مثل Shell, ILF Engineering, AMEC & Petrofac. نشر عددا من الكتب والبحوث والدراسات في مجلات ومؤتمرات عالمية ومحلية ،وحصل على وسام جابر بن حيان لمرتين ،ووسام يوم العلم،و شهادة قانون رعاية العلماء


الـمـقـدمـة:

تطور الحس الهندسي لدى الإنسان منذ ظهور الأخير على سطح الأرض.فإنسان ماقبل التأريخ نحت الحجر وإستعمله كسلاح أو إناء وفكر ببناء جدار ليقيه السيول وسطّح الطريق المؤدية إلى كهفه وحفر السواقي ومد عليها جسوراً من جذوع الأشجار وغير ذلك. وبحكم طبيعة الإنسان في حب البقاء والسيطرة ولكون الحاجة أم الإختراع فقد جعلته يطور نفسه محاولاً السيطرة على الطبيعة وإستغلالها ليضمن بقاءه وإستمراره فإستغل طاقاتها. إستمر على هذا المنوال حتى توج جهوده بالثورة الصناعيىة في منتصف القرن الثامن عشر وما تلاها ليومنا هذا.أي منجهز أونتاج تكنولوجي ظهر منذ ذلك الوقت كان نتاج للفعل الهندسي الذي إرتبط تقدمه بتقدم العلوم الأساسية والفهم العميق لها. وقبل أن يظهر نتاج العمل الهندسي لا بد أن يسبقه الفعل التصميمي ليعرّف ويصوّر ويفصّل هذا النتاج. 

إعداد التصميم هو عملية توليف وجمع وتركيب وتوحيد الأفكار والمعرفة العلمية والهندسية ووضعها بصيغة تؤدي إلى الوصول إلى جديد لنيل مقصد أو غاية مرغوبة. 

من مدخلات وضوابط إعداد التصاميم هو الإلتزام بالمعايير (standards) و مدونات الممارسة (codes of practice) وأداب المهنة (engineering ethics) والتي يجب التقيد بها عند تنفيذ العمل والإنشاء. هذه الضوابط تولدت نتيجة لتراكم الخبرة والممارسة الفعلية لتنفيذ العمل الهندسي. 

الـمـدخـل: 

المنشأ الهندسي قد يكون بناية أوسدأ مائيا أو مصنعا أو منتوجا ميكانيكيا أو كهربائيا أو تكنلوجيا أوطريقة معالجة صناعية. منذ بدء ظهور المنشاء الهندسي رافقت بعضه ظاهرة الفشل الهندسي والذ ي هو خروج عن المنهجية التي يفترض أن يعمل بموجبها. هذا الفشل قد يحدث ضررا بليغا مما ينجم عنه خسارة بشرية و/أوخسارة مادية كبيرة، لدرجة تتداولها وسائل الاعلام فتشتهر عالميا.

أهم أسباب الفشل واحد أو أكثر من:

1.جهل بقاعدة علمية أو بطبيعة فنية  تخص أحد مكونات  المنشأ.

2.خطأ أو قصور في إختيار المواد المستخدمة أو في طريقة التصنيع.

3.خطأ أو تقصير في عملية التشغيل أو الصيانة.

4.خطأ تصميميأ وعدم أخذ بعض خواص مفردات المنشأ بنظر الاعتبار.

صاحبت الثورة الصناعية حوداث مأساوية كسقوط العمال المتعبين بين عجلات الماكنة التي يشتغلون عليها أو إنحصار بعض أطرافهم بين الأجزاء المتحركة من الماكنة أو انفجار المراجل والآلات البخارية أو تعرض العاملين لمواد كيمياوية سامة أو خانقة أو حارقة أو مشعة.

حوادث الفشل الهندسي والإصابات البشرية أدت إلى قيام المؤسسات الرسمية والمهنية والشركات إلى وضع قوانين ونصوص وقواعد ومواصفات وضوابط عمل يجب إتباعها في مراحل تنفيذ وتشغيل المنشاء الهندسي. كما تم تأسيس مؤسسات ومنظمات جديدة، من واجباتها تنظيم هذه المهام. أمثلة على هذا:

1.شرع مجلس العموم البريطاني عام 1833 أول قانون للمصانع إثر تكرر حالات إنفجار المراجل البخارية.

2.تأسيس الجمعيات والمعاهد الهندسية للإرتقاء بالأداء الهندسي، منها ؛معهد المهندسين المدنيين البريطاني عام 1818 ومعهد المهندسين الميكانيك عام 1847 وجمعية المهندسين الألمان عام 1856 والجمعيىة الأمريكية للمهندسين الميكانيك عام 1880، وهكذا. 

قامت هذه  المعاهد منذ تأسيسها في وضع أسس علمية تضمن سلامة التصميم والتنفيذ كما ساهمت في ضمان كفاءة اداء المهندسين إذ لا يقبل انتسابهم إلى هذه الجمعيات مالم يبرهنوا على أهليتهم المهنية والعلمية.

3.منذ عام 1859  إمتنعت شركات التأمين من تأمين سلامة المنشآت الصناعية ومنتجاتها مالم تكن مصممة ومشيدة وفق المعايير وبإتباع الأساليب الهندسية السليمة في تشغيلها وإدامتها حسب أفضل الضوابط الهندسية المعتمدة في حينه. شمل هذا البواخر و المركبات. 

4. تأسيس دوائر المواصفات والمقايس الوطنية والعالمية  والتي قامت ولا تزال تصدر ضوابط المواصفات والمقاييس في كل الحقول ولكل المنتجات، كما تقوم بتحديث الصادر عندما تستجد المعلومات. منها BSS  و ISO  و EU Directives  و DIN و  Euronorms  و HSE. (Health & Safety Executive) 

5.قيام المؤسسات المهنية بإصدار المواصفات الهندسية (Engineering Standards) ومدونات الممارسة(Codes of Practice) ، مثل: ASTM  و ASME  و API  و DEP of Shell  و GEK of GE.

بالرغم من كل هذه الضوابط والمعايير وسياقات العمل حصلت ولا تزال تحصل العديد من الحوادث التي يمكن تصنيفها ككوارث بسبب الأضرار البشرية والمادية التي أحدتثتها. في هذه الورقة تم إختيار بعضا من تلك التي نشرها الإعلام أكثر من غيرها والتي كان لها وقع مؤثر على عامة الناس.    

نـماذج من الكـوارث

غرق الباخرة العملاقة Titanic في نيسان 1912

بسبب إختيار غيرمناسب لبعض المواد التصنيعية وإهمال بعض معايير السلامة ، في رحلتها الأولى وأثناء مسيرتها في شمال المحيط الأطلسي إرتطمت بجبل جليدي أدى إلى تشقق في بدنها مما سمح بدخول الماء إلى حوضها والذي أدى لغرقها خلال ثلاث ساعات وغرق ما يزيد عن 1500 من ركابها.

معدن جسم الباخرة وكذلك معدن مسامير الربط (Rivets) كان من سبيكة الحديد الصلب (الفولاذ) وهذا النوع من الحديد لا يصمد في درجات حرارة واطئة، إذ يتحول من سبيكة مرنة إلى سبيكة هشة عرضة للتحطم والتهشم عند إنخفاض درجة الحرارة، ويكفي في هذه الحالة تعرضها لضربة مركزة واحدة لتتهشم وهذا ما سبب في تكسر بدنها عند الإرتطام بالجبل الجليدي وعلى طول هيكلها.

عرف هذا السبب أثناء الحرب العالمية الثانية بعد تكرر حالات غرق بعض السفن الحربية الأمريكية التي كانت تبحر إلى المحيط المتجمد الشمالي.

عند إعداد تصميم وتصنيع الباخرة Titanic تم الإهتمام بالناحية الجمالية، أما معايير السلامة فقد كانت ثانـوية:

1. عدم توفر العدد الكاف من قوارب النجاة، إذ تم وضع صف واحد منها بدل صفين كما مقرر أساسا، لتوفير فضاء أكثر ومنظر أفضل لركاب الدرجة الأولى.

2. ولنفس السبب تم إستخدام حواجز عرضية واطئة (transvers bulkheads) لم يكن لها دور في حجب الماء.

تحطم طائرات الـ Comet البريطانية 

قبل إدخال طائرة الكوميت كأول طائرة مدنية نفاثة بسنة واحدة وأثناء إجراء تجارب إستخدامها فشل إقلاع أول طائرتين إذ تحطمتا عل أرض المطار، وتحطمت الثالثة بعد إقلاعها بدقائق في عاصفة رعدية.أجرت الشركة تحويرات على الأجنحة ومداخل الهواء في التوربينات وأعتبر الأمر منتهيا إذ أدخلت الخدمة عام 1952.

في العام 1954 إنفجرت طائرتين في الجو أثناء رحلات تجارية إعتيادية. الأولى في كانون الثاني وأسفر الحادث عن مقتل جميع من كان على متنها وعددهم 35 وكذلك الثانية في نيسان وعددهم 21.

بعد أكثر من ثلاث سنوات من دراسة الحالتين تبين أن السبب هو حدوث (Metal Fatigue) إعياء في معدن هيكل الطائرة. فالجهد المسلط على هيكل الطائرة يخضع لضغط داخلي أعلى من الخارجي عند تحليقها على إرتفاع 30,000 قدم، ثم ينخفض فرق الضغط هذا عند هبوطها أرضا مما سبب في تشقق جدار هيكل الطائرة، والذي كان يبداء من زاوية النافذة المربعة الشكل.لذا تم تحوير شكل النافذة لتكون بيضوية الشكل وأخذ ظاهرة الإعياء في إختيار نوع وسمك جدار الهيكل. كما أصبح من أولويات صيانة الطائرة تصوير المناطق الحرجة شعاعيا وإحتساب عمر خدمة لها يعتمد على عدد مرات الإقلاع والهبوط، بعدها تصبح غير صالحة للعمل.

انفجار مصنع الكيمياويات نيبرو في المملكة المتحدة - فليكسبوروعام 1974

الخطوة الأولى لإنتاج مادة الـ Caprolactam، إحد المواد الأولية لصناعة الـ Nylon-6، تبدأ بإنتاج مادة الـ Cyclohexanone من أكسدة الـ  Cyclohexane  بإمراره في ستة مفاعلات متسلسلة.

عند بدء تشغيل المفاعلات، حدث تصدع في جدار المفاعل الخامس. التصدع إدى إلى نضوح مادة الـ Cyclohexane من هذا المفاعل. لإجراء الصيانة تم عزل المفاعل الخامس وتجاوزه بإستخدام إنبوب مؤقت (By Pass) بقطر 20 إنج لربط المفاعل الرابع بالسادس مباشرة. هذا الإنبوب كان يحوي على إلتوائين في مساره. لم يتم تصنيع هذا الإنبوب في ورشة متخصصة بتصنيع الأنابيب، بل في ورشة المصنع. لم يكن التصنيع نظاميا بل كان تصنيع كل إلتواء يتم بقطع ولحام الأجزاء. بعد التشغيل بفترة وبسبب الجهد المسلط على الإنبوب عند إرتفاع درجة الحرارة حدث تصدع في موضع اللحام أدى إلى إنطلاق 50 طن من مادة الهكسان الحلقي (Cyclohexane) إلى الجو مولدا سحابة غطت المصنع وعلى إرتفاع 25 متر.عند الطرف الأخر من المصنع إلتقت السحابة، المختلطة بأوكسجين الهواء، بمشعل مما أدى إلى إنفجار سحابة الغاز ومقتل 28 من العاملين وإصابة 36 أخرين منهم إضافة إلى 53 شخص خارج المصنع وتدمير معظم المصنع والعديد من المنازل المجاورة 

  تسرب غاز سام في مصنع  شركة بوبال لصناعة المبيدات في مدينة بوبال ( Bhopal) في الهند عام 1984

بسبب سوء أداء كادرالصيانة، وعطل الكثير من منظومات السلامة ومنظومات حماية البيئة.تنظيف بعض المعدات كان جزء من عملية الصيانة التي كانت تتم في المصنع. كادر الصيانة لم يعزل الأنابيب المحيطة بخزان مادة (Methyl isocyanate -MIC) السامة، مما أدى إلى تدفق الماء إلى الخزان وحصول تفاعل باعث للحرارة أدى إلى إرتفاع درجة الحرارة في الخزان لأكثر من 200 درجة مؤية مسببا إرتفاع في الضغط داخل الخزان. إرتفاع الضغط أدى إلى إنفتاح غطاء إحد صمامات تخفيض الضغط (relief valve) وإنطلاق 30 طن من غاز (MIC) السام خلال 45 إلى 60 دقيقة. حملت الرياح الغاز السام بإتجاه مدينة Bhopal والمناطق المجاورة مما أدى إلى إستنشاق السكان للغاز السام.أدى هذا الحادث إلى وفاة 3,787 شخص .وإصابة 558,125 شخص بالتسمم منها 3,900 نتج عنها الإعاقة الدائمية.

تحطم مركبة الفضاء Challenger عام 1986

بعد إنطلاق المركبة حصل تصدع في الحلقات المطاطية (O-Rings) العازلة بين قسمي الجزء السفلي الأيمن من معزز الصاروخ (Solid Rocket Booster - SRB)مما أدى إلى تسرب الغاز الساخن والوقود وإشتعاله ثم إنفجار الصاروخ بعد 73 ثانية من الإنطلاق.

برنامج التصنيع كان محدود جدا زمنيا مما أجبر مصنع الـ  SRBعدم إجراء الفحوصات اللازمةعليه قبل تسليمه وعدم الإهتمام بنوعية الحلقات المطاطية، بالرغم من معرفة عدم ملائمتها. الحلقة المطاطية (O-Ring) التي تم إستخدامها لا تصلح للإستخدام في درجة حرارة أقل من 12 درجة مؤية (53oF) ، حيث درجة الحرارة في الطبقات العليا فوق الأرض. أدى التحطم إلى مقتل طاقم المركبة المكون من سبعة رواد فضاء.

تسرب المواد المشعة من مفاعل Chernobyl بعد إنفجاره عام 1986

بسبب عدم إلتزام المشغلين بضوابط العمل وتعليمات السلامة

المفاعل من نوع (Boiling Water Reactor – BWR) .أثناء إجراء فحوصات للمفاعل الرابع إنخفضت طاقة المفاعل إلى مادون المسموح به، لسبب لم يتم إستقصائه.حسب تعليمات العمل كان يجب على المشغل إيقاف الفحص، ولكنه إستمر بالعمل وقام بتعطيل عمل منظومة السلامة . تلاها حصول تفاعل جامح (runaway reaction)، يعتقد أن سببه كان قيام المشغل بترتيب وصف قلب المفاعل بإسلوب يغاير متطلبات الفحص.بسبب هبوط طاقة المفاعل، تحول تشغيل بعض مضخات تدوير الماء ليكون بإستخدام المولد الإحتياط (diesel generator)، إلا إن هذا لم يكن كافيا.  

هذه العوامل مجتمعة أدت إلى إرتفاع درجة حرارة قلب المفاعل مسببتا إنصهار وقود اليورانيوم وتحول الماء إلى بخار. تفاعل البخار مع غلاف الوقود من سبيكة الزركونيوم والكرافيت مما نتج عن ذلك غاز الهيدروجين الحر.تفاعل الهيدروجين مع الأوكسجين مسببا إنفجار أدى إلى تهشم سقف البناية وإشتعال الكرافيت.إنتشرت بسبب هذا، سحابة من المواد المشعة الناتجة أساسا من الإنشطار النووي للوقود.توفي 30 شخص في الحال وتلوثت مساحة 400  ميل مربع  بالمواد المشعة.

أجلي أكثر من 350,000 شخص من سكان المناطق المجاورة لتلافي التعرض لسحابة المواد المشعة التي حملتها الريح.عدد الضحايا بسبب التعرض للمواد المشعة قارب الـ 4000.تصنف الوكالة الدولية للطاقة الذرية حوادث المفاعلات إلى سبعة درجات، حادث تشرنوبل كان من الدرجة السابعة، اي القصوى.

غرق العبارة   The Herald of Free Enterprise عام 1987

بسبب مخالفة تصميمها لقواعد السلامة و السماح لها بالمغادرة خلاف التعليمات .

سمح للعبارة بمغادرة ميناء Zeebrugge في بلجيكا دون التأكد من إنغلاق بوابتيها الأمامية والخلفية، إذ لم تكونا مغلقتين بالكامل مما أدي إلى دخول الماء إلى ظهر العبارة بالرغم من هدوء حالة البحر.تصميم العبارة لم يوفر ما يكفي لتسريب الماء من سطحها ولم يوفر ما يحجزه،وبالتالي تسرب الماء إلى الأجزاء السفلى منها محدثا خللا في توازنها ثم إنقلابها.أدى الحادث إلى مقتل 193 من ركاب و طاقم العبارة.

إنفجار منصة  Piper Alpha Platform – North Sea  عام 1988

بسبب سوء التوثيق وعدم تداول المعلوات بين فريق العمل

أثناء وجبة العمل النهارية تمت إزالة صمام أمان من على خط الضخ لإحدى المضخات وإغلاق الفتحة. لم يكن الإغلاق محكما.وجبة العمل الليلية لم تكن على علم بهذه التغيرات، بسبب فقدان أوراق رخصة العمل وعدم توثيق العمل في السجل (log book).عندما أعاد المشغل تشغيل المضخة تسرب بعض الزيت الخفيف (Condensate) الذي إلتهب لاحقا مؤديا الى الإنفجار مســببا مقتل 167 من العاملين في المنصة.

إنفجار مصنع  الأسمدة الكيمياوية في تولوس / فرنسا عام 2001

بسبب ظروف خزن غير ملائمة وخطاء في تعليم العبوات.

تجمعت في المصنع 300 طن من مادة نترات الأمونيوم (ammonium nitrate) غير مطابقة للمواصفات. خزنت هذه المادة في العنبر 221. بسبب خطاء في التصنيف وضع ملصق  خاطئ على عبوة تحوي 500 كيلوغرام من مادة ثنائي الكلور سايانيوريت الصوديوم (sodium di-chloro-cyanurate)  ألقيت العبوة في العنبر 221، أيضا. هواء العنبر كان عال الرطوبة ودرجة الحرارة. أدى هذا إلى تفاعل مركبي الأمونيوم والصوديوم.نتج عن التفاعل مادة ثلاثي كلوريد النتروجين (nitrogen trichloride)  والذي يتصف بكونه مادة غير مستقرة للغاية. وبالتالي حدوث إنفجار أدى إلى وفاة  29  شخص و إصابة 10,500 أخرين، 2,500 منهم كانت إصاباتهم بليغة.

تحطم مركبة الفضاء Columbia عام 2003

بسبب فشل منظومة العزل الحراري

بعد الإطلاق إنفصل مقطع من الرغوة العازلة (insulating foam) لخزان الوقود الأيسر والتي كانت جزء من غلاف الخزان وتعمل كمصد (ramp).إنفصال وسقوط الرغوة سبب فجوة في منظومة العزل الحراري (Thermal Protection System - TPS)، كما تسببت في حدوث خرق في الجناح الأيسر للمركبة.تمكن الهواء الساخن جدا من إختراق العازل وملامسة هيكل الألمنيوم مسببا في ضعف مقاومته الميكانيكية وإنصهار البعض منه وبالتالي تحطم المركبة. بالرغم من أن هذا الخلل مشخص سابقا إلا أنه لم تتم دراسة ومعالجة أسبابه بسبب حصول قناعة بأنها لم يكن لها تأثير سابقا، لذا لن يكون لها مستقبلا.كذلك البرنامج الزمني لم يكن واقعيا مما سبب تناسي هذا الخلل.أدى الحادث إلى وفاة طاقم المركبة  روواد الفضاء السبعة.

إنفجار في مصفى شركة BP  في تكـســاس عام 2005

بسبب عطل وتعطيل بعض أجهزةالسيطرة والقياس وغياب التنسيق 

عند المباشرة بتشغيل وحدة الأزمرة (isomerization unit) في المصفى يملاء برج الفصل بالسائل النقي (raffinate) إلى حد الثلث.بسبب عطل منظومة قياس مستوى السائل في البرج وتعطيل عمل جهاز السيطرة المثبت على إنبوب التغذية وعدم تداول المعلومات بين وجبات العمل أدى إلى إمتلاء البرج بالسائل الهيدروكربوني.عندما رن جرص الإنذار في غرفة السيطرة مؤشرا إرتفاع الضغط داخل البرج قام أحد العاملين بفتح صمام تخفيض الضغط مما أدى إلى خروج بخار السائل (الكازولين) إلى الجو، وقام أخر بفتح صمام أخر للسماح للسائل الساخن بالإنتقال إلى خزان غير مؤهل لإستلام سائل ساخن، مما ساهم في زيادة كمية البخار في الجو.سحابة بخار السائل الهيدروكربوني إلتهبت بسبب وجود عجلة قريبة كانت ماكنتها تشتغل، مؤديتا إلى حريق وإنفجار أدى لمقتل 15 شخص وإصابة 180 أخرين.

إنفجار منصة Deep Water Horizon  في خليج المكسيك عام 2010

بسبب إدارة غير منظبطة لعمل المنصة

هذه منصة عائمة مصممة لحفر الأبار البحرية لعمق يصل إلى 9100 متر في مياه يصل عمقها إلى 2400 متر.شركة Hyundai صنعت هذه المنصة والتي عملت لتسعة سنوات دون حوادث تذكر وعند الحادث كانت مستأجرة من قبل شركة BP.Owner: Transocean Ltd.  Cementing Contractor  Halliburtonأثناء عملها حدث تدفق للنفط الخام، والذي كان تحت ضغط عال، ومن خلال أنابيب الحفر.تسرب النفط إلى سطح المنصة مسببا سلسلة من الإنفجارات وإندلاع الحرائق.يعزي السبب إلى بطء معالجة العاملين لحالة إرتفاع الضغط وسوء تقديرهم لحراجة الحالة وتأخر إتخاذ القرار لمعالجة المشكلة.وهذا كان نتيجة لضعف في دراسة المخاطر التي تسبق تنفيذ هكذا أعمال وعدم كفأة برمجة العمل.أدى الحادث إلى مقتل 11 من العاملين في المنصة وإصابة 16 أخرين.وتسرب 4.9 مليون برميل من النفط الخام إلى مياه الخليج خلال الأشهر الثلاثة التي إستغرقتها عمليات السيطرة على تدفق النفط من البئر.

إنفجار بعض مفاعلات  Fukushima Dai-ichi  وتسرب المواد المشعة منها عام 2011

بسبب إنقطاع التبريد عنها نتيجة تعرضها لموجات من التسونامي

يقع مجمع مفاعلات Dai-ichi لتوليد الطاقة على ساحل المحيط الهادئ في مدينة Okuma في محافظة Fukushima  اليابانية.يضم المجمع ستة مفاعلات من نوع Boiling Water Reactor  (BWR)  بطاقة كلية قدرها  4800 MW.  ثلاثة منها كانت تعمل عندما ضربت الموقع أمواج عالية من الماء (Tsunami) إثر حصول زلزال توهوكو (Tohoku) في المحيط الهادئ.المفاعلات مشيدة على إرتفاع 10 أمتار فوق مستوى سطح البحر أما التوربينات فتقع على عمق 5 أمتار تحت مستوى سطح البحر.أمواج التسونامي كانت بإرتفاع 15 متر مما تسببت بغرق الموقع.

عند حصول الهزة الأرضية توقفت المفاعلات، التي كانت تعمل، عن العمل وكذلك مجهزات القدرة. مولدات الطاقة الإحتياط والعاملة بالديزل لم تستمر بالعمل بل توقفت وكذلك مضخات التبريد، والمفاتيح الكهربائية وبطاريات الإسناد بسبب موجات التسونامي المتلاحقة والتي غمرت الموقع بالماء.نتيجتا لهذه السلسلة من الأحداث إنقطعت وسائل التبريد عن المفاعلات، مما تسبب في حصول إرتفاع في درجة الحرارة إلى 2800 درجة مؤية وإنصهار الجزء المركزي من المفاعل.الماء الملامس لغلاف الوقود (من سبائك الزركزنيوم Zirconium) الساخن جدا أنتج غاز الهيدروجين مسببا في إنفجار غلاف المفاعل. إنصهار قلب المفاعل أدى إلى إنتشار المواد المشعة في الجو والتي حملتها رياح الإعصار.أخلت السلطات المدن والبلدات المجاورة والتي تبعد عن الموقع بمسافة 10 كيلومتر أوأقل. الإحصائيات الرسمية تشير إلى أكثر من 1000 حالة وفاة بسبب أحداث هذه المفاعلات.

المقدمة  :

انتشرت وتعقدت ظاهرة الفساد في المجتمع العراقي فقد شملت جميع مفاصل الدولة وتحولت الظاهرة لتصبح عرف اجتماعي مقبول العمل به عكس ما كان سابقا يعتبر صفة منبوذة ينتقد من يمارسها . ان لهذه الظاهرة انعكاس سلبي وخطير على النموذج الاخلاقي لافراد المجتمع وعلى مستوى الكفاءة الانتاجية وامكانية تحقيق تنمية اقتصادية ناجحه ، لذلك اصبح امر  معالجتها ضرورة قومية لا بد القيام بها ، تصدى جميع القاده السياسين لمحاربتها ولكن بقى كلامهم ضمن دائرة الهدف التعبوي لعجزهم تقديم برامج علمية للمعالجة ، ان المعالجة الحقيقية تتطلب وضع برامج وخطط علمية  تشترك بها جميع اركان الدولة من حكومة ومنظمات مجتمع مدني بالتعاون الفعال مع افراد المجتمع العراقي . 


يتم احتساب معدلات التنمية الاقتصادية المتحققة ضمن معيارين اساسين هما :

•معيار مادي - تقليدي - يتمثل بالزيادة الكمية في السلع والخدمات المنتجة.

•معيار معنوي يعبرعنه بمستوى الكفاءة الانتاجية في البلد ، يتضمن هذا المعيار عوامل عديدة اهمها طبيعة النظم الادارية المعمول بها ( الادارة ) ، وعلاقات العمل السائدة في المجتمع ، من الملاحظ ان اغلب دول العالم الثالث لا تعطي لهذا العامل الاهمية اللازمة في حين انه يمثل سر نجاح او فشل اي نشاط او مشروع انتاجي مراد تنميته ، 

تمثل الادارة الناجحة قدرتها على التطبيق العلمي للوظائف الادارية في ( التخطيط ، التنظيم والرقابة والتوجيه ) لمختلف الانشطة والمستويات الادارية ، من خلال تطبيق انظمة ومناهج عمل متطورة بغرض رفع الكفاءة الانتاجية للافراد والمؤسسات ، وتقليل حالات الفساد المالي والاداري . 

ان تنفيذ تنمية حقيقية للاقتصاد العراقي يتطلب احداث تطور مهم في هذين المعيارين ، ضمن عملية التخطيط العلمي والاستراتيجي لهما لكافة المراحل والمستويات من خلال ممارسة الوظائف الادارية في الجوانب ( التخطيطية  والتنفيذية  والرقابية ) . فالتجارب التنموية الناجحة التي حققتها الدول المتقدمة حصلت بفضل متانة خططها التنموية وبفضل إدارتها الكفوءة الواعية.

موضوع بحثنا يتناول دور وظيفة الرقابة والتوجيه بأعتبارها احد الوظائف الادارية الرئيسية التي تعمل على رفع الكفاءة الانتاجية وتقليل حالات الفساد الاداري والمالي، ضمن ظروف العراق الحالية تتصف هذه الوظيفة بالمهمة والحيوية ، كما سنبينه ادناه .

يتضمن البحث المحاور التالية :

المحور الاول – الابعاد الاساسية لظاهرة الفساد :  

لتسهيل عمل الاجهزة الرقابية في تحقيق اهدافها الاساسية لابد من تهيئة البيئة والظروف الملائمة لتمكينها انجاز عملها بيسر وانسيابية عالية ، تمثل هذه الابعاد العلل الاساسية لنمو وتعاضم مشكلة الفساد ، لذا لا يمكن تحقيق تقدم حقيقي في معالجة هذه المشكلة الا بعد اجراء معالجات سليمة وناجعة لهذه الابعاد ، نذكرها باختصار شديد :          

• البعد السياسي : ان لهذا البعد تأثير كبير بشكل مباشر ، وهو ناتج من عدم حصول الاستقرار السياسي والامني في البلد ومن تدخل السياسين في ادارة الاجهزة الادارية والمالية بعيدا عن الجانب المهني بسبب التطبيق السيء لاسلوب المحاصصة السياسية كحل توافقي للوضع السياسي السائد والتوسع في تطبيقه بشكل افقي وعمودي ليشمل كل جوانب الدولة العراقية دون اعتبار لمبدئي الكفاءة والنزاهة وقيام الكيانات السياسية بحماية الاشخاص المفسدين والمقصرين التابعين لها من مسؤولية الحساب والعقاب ، واعتبر موضوع مسائلتهم القانونية تدخل ضمن دائرة المحاصصة السياسية المعتمدة التطبيق ،يمثل هذا العامل السبب الاساسي في عرقلة عمل الاجهزة المالية والرقابية باداء دورها بشكلا سليم كما سنبينه لاحقا .

•البعد القانوني : يتمثل بتطبيق مبدأ سيادة القانون وتفعيل وتقوية الاجهزة القضائية . 

•البعد الاجتماعي : وهو يمثل منظومة القيم الاجتماعية تحكم السلوكيات الاخلاقية لافراد المجتمع العراقي ، تبرز اهمية هذا البعد كونه يمثل اهم رادع الذي يحكم تصرفات الافراد فهو اهم من الرادع القانوني ، لذا يتطلب اعتماد استراتيجية وطنية شاملة تشترك فيها جميع اجهزة ومؤسسات الدولة المختلفة بالتنسيق الكامل مع مؤسسات المجتمع المدني المختصة والاجهزة الاعلامية المتعددة لتعزيز المفاهيم والمبادىء الاخلاقية الايجابية وتثقيف الافراد بها واشاعتها في اوساط المجتمع العراقي .التجارب التنموية الناجحة التي نفذتها المجتمعات العالمية المتقدمة ابتدءت اولا بأجراء تغيرات مهمة في الجانب الاجتماعي والثقافي للمجتمع .

•البعد الاقتصادي : اختيار النمودج التنموي الملائم لتحقيق استقرار اقتصادي يحقق حصول موازنة عادلة بين مستويات الاجور مع مستويات الاسعار السائدة في السوق الوطنية وجعلها ضمن المؤشرات والمعايير الدولية المقبولة ، لضمان مصالح الجميع والحفاظ على مستويات معيشة لائقة للمواطنين وجعل معدلات التضخم ضمن حدودها المقبولة .ان حصول خلل كبير في هذه الموازنة يمثل عامل مهم لتشجيع العاملين على الانحراف السلوكي وقبولهم الرشوة . 

•البعد الاداري :  يتكون هذا البعد من الفقرات والمقومات التالية :مستوى كفاءة (انظمةالعمل) ، نوعية(التقنيات) والدورة المستندية المعمول بهما ، كفاءة ومتانة ( اجراءات الرقابة والضبط الداخليتين). واخيرا مستوى اداء اجهزة التدقيق قبل وبعد الصرف في الدوائر والوزارات العراقية . ان انخفاض كفاءة الانظمة المذكورة اعلاه مع مساوئ المحاصصة مثلت السبب الاساسي لعدم انتظام التوازن المطلوب في ادارة الانشطة الاقتصادية والادارية وعدم السيطرة الفعالة على ادارة المؤسسات والعاملين ، فقدت بموجبها كيان الدولة هيبتها وجزء من سلطته امام الجمهور،ساهمت تلك الابعاد بشكل كبير في انتشار ظاهرة الفساد المالي والاداري . 

المحور الثاني– التنسيق مع الاقسام التي يشترك عملها مع اجهزة الرقابة المالية :

هنالك جهات واقسام عديدة تشترك مع الاجهزة المالية في نشوء الواقعة المالية وتبقى مرتبطة معها لحين استكمال كامل عمليات الصرف ، لذا فأنها تشترك في المسؤلية مع الاجهزة المالية والرقابية في سلامة ودقة العمليات المالية منذو نشوء الواقعة المالية وتستمر معها لحين انجاز التنفيذ ، فعقود المقاولات والتعهدات والتوريدات وفقرة الرواتب واجور العاملين .... كلها يبدء نشؤها من اقسام فنية متخصصة وهي المسؤولة عن انجاز الجانب الفني والقانوني للواقعة وتمثل المستندات التي تنظمها الوقائع الاساسية للصرف المالي، فمسؤولية الاجهزة المالية والتدقيقة قبل وبعد الصرف كلا حسب اختصاصة تعتمد بشكل كبير على سلامة وصحة ودقة اعمال تلك الجهات والمستندات المرتبطة بها من الناحية الفنية والقانونية والمستندية ، فعمل الاجهزة المالية يعتمد اساسا في انجاز عمليات الصرف النقدي وتسجيلها محاسبيا على سلامة تلك المستندات .

ان هذه العلاقة القوية المترابطة يتوجب عليهما تفهم كلا منها عمل الاخر، ليتم على ضوءه ايجاد لغة مشتركة بينهما يتم بموجبها ما يلي :

1 - تقيم انظمة العمل والدورة المستندية المعتمدة لهما للوصول الى مشتركات تنظيم عملهما بما يحقق التنسيق والتكامل البيني وانسيابية عالية في الانجاز وانخفاض واضح في التكاليف من حيث الوقت والاجراءات ، وتحقق في نفس الوقت دقة في النتائج وتعزز اجراءات الرقابة والضبط الداخليتين ، بموجبها يتم الغاء المستندات والاجراءات الغير ضرورية، ان تنفيذ هذه المهمة تتطلب جهود مشتركة من الطرفين .

2 – على اجهزة الرقابية المالية التنسيق مع الاجهزة الرقابية الفنية بغرض وضع ضوابط لتقويم وحماية العاملين في الاقسام الفنية وتحميلهم المسؤولية عن الاعمال المختصه بهم ، على الاجهزة الرقابة المالية اشراك فنين ضمن تشكيلاتهم تمكنهم تحديد المسؤولية عن الانحرافات والفساد الحاصل بشكلا دقيق .

للباحث تجارب ناجحة في هذا المضمار ، على سبيل المثال تم تصميم ( بطاقة كلفة ) - في مؤسسة انشائية كبرى -، اعتمدت معايير معينة لتحديد مركز الكلفة تسجل في البطاقة جميع المعلومات والبيانات عن مستويات التنفيذ من المصادر الهندسية والمالية ضمن اسس ومعايير متفق عليها ، حققت البطاقة فوائد ومزايا عديدة بتحقيق رقابة فعالة تمكن الادارة متابعة مستويات الانجاز بسهولة وامكانية تحديد المسؤولية بشكل دقيق واعطت مصداقية للمعلومات والبيانات الواردة فيها لانها تتقاطع من مصدرين ، واخيرا حققت انخفاض في التكاليف نتيجة اختصارها لكثير من الاجراءات والمستندات الغير ضرورية . 

 المحور الثالث – تفعيل وتطوير عمل اجهزة الرقابة المالية :

كما ذكرنا انفا تمثل وظيفة الرقابة والتوجيه الركن الثالث  للوظائف الادارية العلمية بعد وظيفتي التخطيط والتنظيم ، لذلك يتوجب الاهتمام الجدي بها وتطويرها لتتمكن من اداء دورها بشكل سليم ، سنحاول في هذا البحث تقديم عدد من الافكار والملاحظات بهدف تفعيل وتطويرنشاطها التقليدي وتوسيعه ليشمل النشاط التوجيهي ورقابة الكفاءة والاداء .

تتحدد الوظيفة التقلدية للرقابة المالية جعل عمليات الانفاق الجاري والاستثماري تتم وفق القوانيين والانظمة وطبقا للدورة المستندية المعتمدة ، ينقسم عمل الاجهزة الرقابية الى رقابة قبل الصرف ورقابة بعد الصرف ، ، فوظيفة الرقابة هي وظيفة رادعة تعمل على الحيلوله دون حصول اي تجاوز في كل مرحلة من مراحل الانفاق بدءا من عملية التعاقد الى التسوية النهائية لعملية الصرف ، وتنقسم اعمال الرقابة الى اعمال التدقيق المستندي ، واعمال المحاسبة القانونية ورقابة الكفاءة والاداء واعمال التحقيقات الخاصة  .

هيكل الاجهزة الرقابية : هنالك جهات عديدة مسؤولة عن عمليات الرقابة والتدقيق في دوائر ومؤسسات الحكومة العراقية سواءا كانت رقابة داخلية وخارجية او رقابة قبل او بعد الصرف ، ان لهذا التعدد مضار ومساؤى عديدة سيتم توضيحها لاحقا ، نبين ادناه اهم تشكيلات اجهزة الرقابة المالية :

1 - اقسام الرقابة الداخلية والتدقيق الداخلي ، تتواجد في كل وزارة ومديرية عامة وبعض الدوائر المهمة قسم للرقابة الداخلية والتدقيق الداخلي تتحدد مهماتها بتدقيق المعاملات المالية قبل اجراء صرفها وتعتمد اسلوب التدقيق المستندي .

2 – دائرة المفتش العام ، تأسست بامر سلطة الائتلاف رقم 57 لسنة 2004 نقلت الصلاحيات الى رئيس الوزراء بالقانون رقم (100) لعام 2004 ، يتبع من الناحية الادارية الى الوزير او رئيس الهيئة المستقلة تتحدد مهماتها بالتدقيق قبل وبعد الصرف ضمن نطاق الوزارة او الهيئة المستقلة والدوائر المرتبطة بها وتقوم كذلك بمهمات التحقيق للقضايا التي يتواجد فيها فساد او تجاوز معين ويبلغ عنها الى الوزير او رئيس الهيئة المستقلة بالتنسيق مع ديوان الرقابة المالية والتي تحال الى هيئة النزاهه .

3 – دوائر التفتيش التابعة الى وزارة المالية ومنها الخزينة المركزية وفروعها في الاقليم والمحافظات العراقية حيث تقوم بعملية التدقيق قبل اجراء الحوالة النقدية الى الوزارة او الهيئات المستقلة .

4 - هيئة النزاهه ، تم تأسيسها بالقانون رقم ( 30 ) لسنة 2011

حددت المادة -21- مهماتها وواجباتها بما يلي :

أولاً : تؤدي الهيئة واجباتها في ميدان منع الفساد و مكافحته بالتعاون مع ديوان الرقابة المالية ومكاتب المفتشين العامين.

ثانياً : يعمل ديوان الرقابة المالية بصفته الجهة العليا للتدقيق المالي والمحاسبي وهو معني بالكشف عن أعمال الفساد والغش والتبذير وإساءة التصرف وفقا لأحكام القانون .

ثالثاً : يودع الديوان جميع الادلة عن أعمال الغش والتبذير وإساءة التصرف الى المفتش العام المختص .

رابعاً : يتخذ المفتش العام ما يلزم بشأن تقارير الديوان ، ويجري التحري والتحقيق الاداري اللازم فيما يودعه الديوان اليه ، ويقدم نتائج ذلك الى الوزير المعني او رئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة ، وعليه اخبار الهيئة او الجهات التحقيقية المناسبة بكل ما يعد جريمة وفق أحكام القوانين النافذة.

خامساً : تعد الهيئة الجهة التحقيقية المختصة من بين الجهات الثلاثة لاتخاذ الإجراءات التحقيقية الجزائية المناسبة بشأن التحقيق في قضايا الفساد .

5 - ديوان الرقابة المالية الاتحادي : وهوالجهاز الرقابي المركزي ويمثل احد المؤسسات الدستورية الداعمة للعملية الديمقراطية في العراق ويعول عليه في اجراء الاصلاحات المطلوبه لتفعيل وتطوير النشاط الرقابي وتحقيق الاهداف الوظيفية للجهاز، مر ديوان الرقابة المالية بمـراحل متعاقبة تمـثل كل مرحلة صدور قانون جديد ينظم عمله كما يلي :

ا - صدر اول قانون رقم ( 17 ) لسنة 1927 تم بموجبه تأسيس دائرة تدقيق الحسابات العامة سميت فيما بعد باسم ديوان مراقب الحسابات العام حصل تعديلين على القانون بغرض توسيع واجباته ، يعتبر صدوره خطوة متقدمة بجعل الرقابة العامة في العراق مستقلة ، ولكن ما يؤخذ عليه إن نطاق عمله ضيق واختصاصته مقيدة ولا يتمتع باختصصات قضائية ، ولم يتمع بالاستقلالية لان تعين وعزل مراقب الحسابات يتم باقتراح من رئيس الوزراء وموافقة مجلس الوزراء كما وانه لم يواكب التقدم العلمي الذي طرأ على مهنة المحاسبة والمراقبة .

ب - المرحلة الثانية ، تم تشريع القانون رقم ( 42 ) لسنة 1968 لتطوير جهاز الرقابة في العراق بتوسيع صلاحياته واختصاصاته ورفع كفاءته لمسايرة التطور الحاصل في وظائف الدولة ، تم بموجبه تأسيس سلطة للرقابة المالية تدعى بديوان الرقابة المالية ترتبط بمجلس قيادة الثورة ، وتنوب عنه في الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية ، يمكن تحديد سمات هذا القانون بما يلي :

1 - وسع من نطاق عمل الديوان من حيث الجهات الخاضعة لرقابته ومن حيث أنواع المعاملات الناشئة في تلك الجهات ، وخـوله مزاولة مختلف أنواع الرقابة وأكد على أهمية ممارسة رقابة الكفاءة والأداء.

2 - منح القانون للديوان بعض الحصانات القانونية وصلاحيات مالية وإدارية وفنية وقضائية تفوق الصلاحيات المنصوص عليها في القانون السابق ، ومنح مجلس الرقابة صلاحيات إعداد وتنفيذ ميزانيته وتعين وتدريب الكوادر الخاص به .

3 - منـح القانون للمجلس صلاحية إحالة المخالفين الى لجان الانضباط والمحاكم المختصة بعد التحقيق معهم ، وخوله سحب يد المخالف أو تنحيته عن العمل بصورة مؤقتة .

4 - خول مجلس الرقابة حق طلب تعديل القوانين والأنظمة والتعليمات في حالة اعتقاد الديوان بان مرد النقص في الكفاءة هو نقص في التشريع .

5 - رفع التقارير الى مختلف المستويات الإدارية الى جانب رفع تقرير سنوي خاص إلى السلطة التشريعية .

ج - المرحلة الثالثة تم تشريع القانون رقم ( 194 ) ، تبرير صدورهذا القانون  لتلافي الصعوبات العملية التي واكبت تطبيق القانون رقم (42) لسنة 1968، اهم فقرة في هذا القانون هو الغاء الصلاحيات القضائية من الديوان بسبب عدم ممارستها خلال فترة نفاذ القانون السابق واسباب اخرى واهية مثل وجود قصور في الهيكل التنظيمي وعدم وضوح اهدافه .

د - المرحلة الرابعة شرع القانون رقم ( 6 ) لسنة 1990 تبرير صدور هذا القانون لتوضيح دور ومهمات الديوان وتمكينه من اداء دوره الرقابي بفعالية عالية من خلال اعادة هيكليته التنظيمية لتغطية جميع الدوائر والمنشآت .

ه - قانون ديوان الرقابة المالية الاتحادي الحالي رقم (31) لسنة 2011 التعديل الاول رقم 104 لسنة 2012 ، شرع القانون استنادا الى الفقرة اولا من المادة ( 102 ) من الدستور الدائم التي نصت بمايلي : يعد كل من البنك المركزي العراقي، وديوان الرقابة المالية، وهيئة الاعلام والاتصالات ودواوين الأوقاف، هيئات مستقلة ماليا واداريا، وينظم القانون عمل كل هيئة منها ، ويرتبط ديوان الرقابة المالية بمجلس النواب .

   كما مبين اعلاه تعدد الجهات التي تمارس النشاط التقليدي للرقابة المتمثل بالتدقيق المستندي لعمليات الصرف ، لم تحقق هذه الاجهزة اهدافها في محاربة او تقليل الفساد المستشري في البلد لاسباب عديدة اهمها ضعف البنية الهيكلية لها وعدم تنظيم عملها باعتماد اليات وبرامج عمل متطورة ، انحصرت اغلب معالجتها في محاربة الفساد بتشديد الروتين الاجرائي وزيادة المستندات والوثائق المطلوبة لتوثيق المعاملة التي ادت الى زيادة الفساد ، نبين ادناه اهم المعالجات التي نراها  ضرورية .

اولا - اعادة هيكلة الاجهزة الرقابية : ان تعدد الجهات الرقابية مع وجود ضعف واضح في الروابط الهيكلية بينهما من الناحية التنظيمية والوظيفية ، نتج عنها تكرار وتشابك الواجبات والصلاحيات وبالتالي عدم الدقة في تحديد المسؤوليات وتضخم وتعقيد الروتين الحكومي وارتفاع كبيرة في التكاليف ، ازاء ذلك نقترح ان يكون ديوان الرقابة المالية الاتحادي المؤسسة الدستورية الاساسية المسؤولة عن الرقابة المالية في الدولة العراقية فهي تمثل المحور الاساسي للعلاج من خلال ربط الاجهزة الاخرى معها تنظيميا او وظيفيا كمايلي :

1 – ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهه : هنالك ارتباط وظيفي بين اكتشاف المخالفة وعملية التحقيق ، فالمعالجة يجب ان تتم في نفس الجهه المكتشفة لها وان عملية تحويلها الى جهة اخرى يضعف من عملية المتابعة والمعالجة الناجعة لها ، لذا نقترح ربط هيئة النزاهه مع ديوان الرقابة المالية باعتبار عملهما مكمل للاخر لتحقيق مزايا عديدة اهمها السرعة ودقة في الانجاز ، يتم ذلك بالرجوع الى قانون الديوان رقم ( 42 ) لعام 1968بموجبه كانت تمارس اعمال هيئة النزاهه ضمن مديرية التحقيقات ، تم الغاء هذه المديرية لاحقا بموجب القانون اللاحق بحجة عدم  ممارسة الديوان لهذه المهمة .

هنالك اربعة مراحل تمر بها اليات تسوية المخالفات المالية هي ، مرحلة اكتشاف المخالفة ، مرحلة التحقيق ، مرحلة القضاء والمرحلة الاخيرة تنفيذ الامر القضائي محليا او خارجيا ، على ديوان الرقابة المالية التنسيق مع الجهات اعلاه لوضع ضوابط واجراءات قانونية لسلاسة تنفيذ تلك المراحل وازالة العوائق المعرقلة ، اذا كان واقعة التحقيق او التنفيذ خارجية عليها التنسيق مع الجهات المعنية لانجاز المهمة بيسر .   

2 – دائرة المفتش العام : هذه الدائرة مستحدثة حديثا من الواضح ان طبيعة عملها جزء منه تكرار لعمل اقسام التدقيق الداخلي في الدوائر والجزء الثاني تكرار لعمل ديوان الرقابة المالية ، نقترح اما الغاء هذه الدائرة وتحويل عملها الى اقسام التدقيق الداخلي والى ديوان الرقابة المالية كلا حسب اختصاصه ، او البقاء على هذه الدائرة واعتبارها هيئة مركزية في الوزارة تتبع ديوان الرقابة المالية تقوم بانجاز عملها طبق لخطة عمل الديوان فهي تمثل حلقة الوصل عمل الديوان واقسام التدقيق في الوزارة .

3 – اقسام التدقيق والرقابة الداخلية في الدوائر الحكومية : وهي اهم حلقة في عملية محاربة الفساد ، نقترح بضرورة اعتماد ظوابط لحمايتها من الناحية الامنية والوظيفية  وتعزيز كفاءتها المهنية والسلوكية من خلال اعادة تقيم انظمة عملها واعتماد برامج عمل متطورة. نقترح على الديوان الاشراف الفني على عملها وعليه تنظيم هذه العلاقة من الناحية الوظيفية باعتماد معايير وضوابط محددة ، وكذلك تنظيم علاقتها مع الاقسام الفنية المرتبط عملها معها ، يراعى في ذلك دقة النتائج واختصار في الروتين الغير ضروري ، يورد نفس الكلام عن اقسام التفتيش التابعة لوزارة المالية ، كما سنبينه لاحقا .

ثانيا – تطوير نشاط الاجهزة الرقابية :

تنحصر اعمال الاجهزة الرقابية قبل وبعد الصرف وفق الاسلوب التقليدي وهو التدقيق المستندي والمحاسبة القانونية بأتباع اساليب قديمة غير ناجعة في معالجة مشكلة الفساد وانخفاض الكفاءة الانتاجية ، اقتصر عملها بالغالب بتشدد الروتين الاجرائي والمستندي ، ساهم هذا الاجراء في تعقيد وعرقلة انسيابية عمليات الصرف وتعمق الفساد لاضطرار المواطنيين بدفع رشوى لانجاز معاملاتهم بيسر . ان عملية التطوير المقترحه تشمل جوانب متعددة ليست فقط تطوير عمل الاجهزة  بل توسيع مهماتها واهدافها لتشمل مجالات  مهمة من الممكن القيام بها ، وهي كما يلي :

1 – تطوير اساليب عمل الاجهزة الرقابية : ان الاساليب التقليدية المعتمدة حاليا هي اساليب قديمة غير ناجعة ، لذا يتطلب اعادة تقيمها والاستفاد من الخبرات العالمية المتراكمة لهذه المهنة ومن التجارب الناجحة للدول المتقدمة للتوصل الى برامج واساليب متطورة تستطيع تقديم الحل المناسب ، يمكننا تحديد انواع الرقابة الممكن القيام بها وهي كما يلي :

ا – الرقابة المستندية والمحاسبة القانونية ، وهي الرقابة التي تقوم بها حاليا والتي يجب تطويرها وفق صيغ متطورة .

ب – الرقابة بالاهداف او ما تسمى رقابة الكفاءة والاداء ، بموجبها يراقب مستوى الانجاز المتحقق ومقارنته مع الاهداف المخططة والامكانيات المتاحة ، يجب اعتماد معايير وبرامج لرقابة كفاءة الاداء ، تضمن قانون الديوان رقم ( 42 ) هذا النوع من الرقابة تم ممارسته بحدود ضيقة في حينه .

ج – الرقابة الايجابية بموجبها يتم تحديد نقاط الضعف في اجراءات الرقابة والضبط الداخلية ومواطن الخلل في الانظمة والدورة المستندية المعمول بها واقتراح المعالجات الناجعة بالتنسيق مع الجهات المعنية ، سيتم توضيح ذلك ادناه .

د – التحليل المالي تستطيع الاجهزة الرقابية اجراء تقيم للوضع المالي وتقيم نتائج الاعمال من خلال التحليل المالي لنتائج الاعمال ومقارنتها بالدورات السابقة وبالاعتماد على المعايير والمؤشرات الدولية مع اخذ ظروف البلد بنظر الاعتبار .

2 – اعادة تقيم القوانيين والنظم الادارية التي تنظم عمل الدوائر والمؤسسات الحكومية : ان القوانيين والنظم الادارية والدورات المستندية المعتمدة التطبيق في الدوائر والمؤسسات العراقية نظم قديمة بالية تعود قسم منها الى حقبة الحكم العثماني والى ما ادخلته سلطات الاحتلال البريطاني عند تأسيس الدولة العراقية ولقرارات مجلس قيادة الثورة المنحل واخيرا ما اعتمدته سلطات الاحتلال الامريكي ، بغرض اجراء اصلاح اداري ومالي في الاجهزة الحكومية لابد من اعادة تقيم هذه النظم وأعتماد نظم متطورة ، يستطيع الديوان من خلال عمله الرقابي الاشارة الى مناطق الخلل ونقاط الضعف المعرقلة والمستندات والاجراءات الغير مفيدة ويشمل ذلك  (القوانيين ، النظم الادارية والمالية ، الدورة المستندية ومجموعة الاجراءات الروتينة المرافقة ) واستخدام خدمات الحاسب الالكتروني في الاتصالات بين الدوائر والمؤسسات الحكومية وبواسطته تطلب المستندات التوثيفية من الجهات المعنية مباشرة بدلا من طلبها من المراجع لسرعة ودقة الانجاز ، 

ويستطيع الديوان تقديم خبراته العلمية والعملية بالتنسيق مع الجهات المعنية للقيام بمهمة الاصلاح ، ان اعتماد استراتيجية للاصلاح المالي والاداري ضرورة حيوية لتقليل حالات الفساد المالي وتهيئة الظروف الملائمة لتحقيق تنمية حقيقية في جميع الجوانب الخدمية والانتاجية . 

من الممكن القيام بعملية اعادة التقيم لجزء من الانشطة او كامل الانشطة حسب الامكانيات المتاحة ويجب توفر مؤهلات مهنية للجهات التي تقوم بهذه المهمة .

3 – التقارير : يقوم الديوان بتقديم تقارير دورية اوسنوية عن نتائج اعماله الى الجهات المعنية تشيرالى نقاط الخلل والانحرافات الحاصلة وتطلب تسويتها وعليه تبنى المخالفات التي تكتشفها الاجهزة الرقابية الاخرى ، ويقدم الديوان الى مجلس النواب تقرير سنوي عن مجمل الاوضاع يتضمن هذا التقريراهم الملاحظات الواردة في تقاريره الدورية زائدة مدى تطبيق الاهداف المخططة لكل وزارة او هيئة مستقلة واخيرا مستوى تعامل الدوائر الحكومية مع الهيئات الرقابية .

الملاحظ اولا عدم تضمن تلك التقاريرالى العوامل المسببة للانحراف اوالخلل واقتراح المعالجات الناجعة لها وثانيا ضعف اليات المتابعة لتسوية الانحرافات ، لذلك نقترح اعتماد ضوابط جدية للمتابعة وفق مايلي:

ا – يتم مخاطبة الوزارة او ادارة الهيئة المستقلة عن المخالفات ونقاط الضعف المكتشفة وتحدد مدة لا تجاوز الشهر للاجابة لتسوية المخالفة .

ب - في حالة عدم تعاونهم الحقيقي مع الديوان خلال المدة المحددة يحال الموضوع الى مجلس الوزراء لاتخاذ القرار المناسب ، ينسب الديوان من يمثله الحضور جلسة مجلس الوزراء عند مناقشة الموضوع .

ج – اذا لم تكون المعالجة مقنعة للديوان يحال الموضع الى مجلس النواب لاستجواب الوزير المختص ينسب الديوان من يمثله في جلسة الاستجواب ،عند عدم قناعة المجلس بالمعالجة قد يتم طرح الثقة به في مجلس النواب .

نرى ضرورة التنسيق مع السلطات القضائية ،التشريعية والتنفيذية للتوصل الى اليات محددة تنظم وتضمن جدية التعامل مع الجهات الخاضعة للرقابة، طبقا لما سبق ذكره. 

4 – العاملين في الاجهزة الرقابية : بغرض تفعيل عمل الاجهزة الرقابية يجب الاهتمام بالمستوى المهني والسلوكي للكادر الرقابي اينما يكون موقعه وتحميله المسؤولية الكاملة عن المخالفات التي يعتمدها في نفس الوقت يجب حمايته من تأثير الفاسدين عليه من الناحية الامنية والوظيفية ،على ديوان الرقابة المالية وضع برامج ومناهج بغرض رفع المستوى المهني والسلوكي للعاملين ، وعليه اعتماد تشريعات واعتماد ضوابط فعالة لحماية الكادر الرقابي امنيا ووظيفيا .

 ثالثا – المصادقة على الميزانيات : 

تمثل المصادقة على الميزانيات الاعمال الاساسية للديوان وهي على نوعين هما :

1 – ميزانيات المؤسسات الاقتصادية التي تعتمد نظام المحاسبة التجارية ، تطبق عليها الرقابة وفق اصول المحاسبة القانونية وهي تشمل تدقيق وفحص الحسابات وبالتالي تصديق الحسابات الختامية التي تمثل الوضع المالي ونتائج الاعمال ، يرفق مع الحسابات الختامية تقرير الديوان بموجبه يعطي رأيه عن مصادقية البيانات والحسابات الختامية في حالة وجود ملاحظات جوهرية سلبية تتخذ الاجراءات التي اشرنا اليها ضمن فقرة التقارير .

2 – الميزانية العامة الحكومية والميزانيات الملحقة ، تقوم وزارة المالية بتنظيم ميزانية الحكومة والميزانيات الملحقة بها على ضوء البيانات الواردة من الوزارات والهيئات المستقلة تناقش البيانات معها للتوصل الى مبالغ اعتمادات المصروفات والايرادات المتوقعة لها ، تصدر وزارة المالية مع الميزانية تعليمات تفصلية تبين كيفية التنفيذ وتحدد انواع التقارير الملزم تقديمها خلال مدة التنفيذ، تقوم مديرية الخزينة المركزية وفروعها في الاقليم والمحافظات قبل اجراء التحويل النقدي بتدقيق صحة التوثيق المستندي لعمليات الصرف وفي نهاية السنة المالية يقوم ديوان الرقابة المالية بتصديق الميزانية وتثبيت الملاحظات عن المخالفات المالية عند التنفيذ ، 

نثبت ادناه اهم المقترحات بهذا الخصوص :

ا – عند تنظيم الميزانية على ديوان الرقابة المالية التنسيق مع وزارة المالية في اعتماد اسس ومعايير مالية عند تحديد بنود الميزانية وملاحظة مبدئي الشفافية والوضوح للحد من مجالات الاسراف المالي وتفعيل الايرادات ، وتقوية اجراءات الضبط والرقابة الداخلية في المواقع التي يتوقع حصول الفساد فيها ، والتنسيق المشترك لتضمين تعليمات تنفيذ الميزانية معايير مالية محددة تساعد الاجهزة المالية في الوزارات على  تنفيذ بنود الميزانية بسهولة .

2 –التنسيق مع وزارة المالية على اعداد نظام مالي يتضمن التعليمات الثابته توضح كيفية تنفيذ بنود الميزانية بشكل مرتب بدلا من التعليمات المرتبكة التي تصدرها الوزارة مرفقة مع كل ميزانية .

كما ويجب تنسيق وتنظيم العمل الرقابي بين هيئات التدقيق التابعة الى الديوان مع هيئات التفتيش التابعة لوزارة المالية لتفعل العمل الرقابي لمنع التجاوزات والانحرافات في التنفيذ وليكون عمل كلا منهما مكملا لعمل الاخر .

3 – في نهاية السنة المالية يكلف الديوان التصديق على الميزانية العامة ، في حالة وجود اي تحفظات او مخالفات معينة يمتنع الديوان عن المصادقة لحين تسوية ملاحظاته ، يطبق في هذه الحالة الاجراءات التي ذكرناها في فقرة تقارير الديوان ، في حالة عدم التمكن من تسوية الخلافات لتصديق الميزانية خلال مدة معينة يقوم مجلس النواب بطلب التصويت على الوزير المخالف او مجلس الوزراء بالكامل .

4 – على الديوان تضمين تقريره السنوي مستوى تنفيذ الاهداف (المالية والاقتصادية والاجتماعية) المخططة عند تنفيذ الميزانية العامة - للنفقات الجارية والاستثمارية - يتضمن التقرير دراسة وتحليل مالي يوضح مستوى التنفيذ ومقارنته مع المعايير الدولية مع اخذ ظروف العراق بنظر الاعتبار .       

 

الخلاصة :

يتضح لنا مما سبق ان المعالجة الحقيقية للفساد تتم من خلال تطبيق الملاحظات التالية :                                     

1 – توفير الارضية المناسبة لمحاربة الفساد من خلال تفعيل المؤسسات الدستورية الحافظة للديمقراطية ، تعزيز وتفعيل سلطات القضاء الحازم وتطبيق مبدأ سيادة القانون وانهاء مساؤى التطبيق السيء للمحاصصة ، القيام بحملة نشطة لتعزيز القيم الاجتماعية في المجتمع .

2 – اعتماد التطبيق العلمي للوظائف الادارية في كل المراحل ولمختلف المستويات يتم بموجبها وضع خطط استراتيجية للتنمية الشاملة للدولة العراقية ، وتفعيل كفاءة الاداء للمؤسسات والعاملين ، واعتماد الدراسات والتحليل الموضوعي لتحديد مستوى التنفيذ .

3 - وجود قيادة سياسية مقتنعة باهمية الادارة العلمية لحشد كامل امكانيات الدولة نحو هذا الهدف يتم بموجبه استقطاب جميع الكوادر العراقية الكفؤه والنزيه تتكفل النهوض بهذه المهمة الحيوية ، من خلال اعتمادها مبادرات ووسائل علمية متطورة لمعالجة مختلف التحديات التي تواجهها .

  

  

 

الثقافة.. مصادرها ومواردها وأثرها على المجتمع والدولة

ضيفت مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء المصادف 3/5/2017  الاستاذ الدكتور خالد الشفي في امسية ثقافية تحدث فيها عن  الثقافة وأنواعها مبينا ان هنالك ثقافة  للهدم وثقافة للبناء، وسلط الضوء على مصادرها ومواردها واثرها في المجتمع.

الاستاذ الدكتور خالد الشفي ، استشاري أمراض الأحياء المجهرية ، حصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه في الطب من جامعة لندن ، وهوعضو وزميل الكلية الملكية البريطانية عمل في عدة مستشفيات في المملكة المتحدة كما دَرس في عدد من جامعاتها ، كتب العديد من المقالات في الاختصاصات العلمية والثقافية.

تقيم مؤسسة الحوار الأنساني بلندن يوم الاربعاء المصادف 17 /5/ 2017 امسية ثقافية للاحتفاء بالمنجز العلمي والفكري للدكتور إبراهيم العاتي، سيتحدث فيها عدد من المثقفين العراقيين متناولين السيرة العلمية والتربوية للدكتور العاتي .

ولد الدكتور ابراهيم العاتي عام 1949 في مدينة النجف بالعراق, حصل على الليسانس من قسم الفلسفة والاجتماع بجامعة دمشق 1975, والماجستير من قسم الفلسفة بجامعة عين شمس 1980, والدكتوراه من نفس الجامعة 1984.عمل أستاذًا بجامعة قسنطينة بالجزائر, وجامعة ناصر بليبيا, ويعمل الآن ومنذ عام 1992 أستاذًا بكلية الشريعة ومديرًا للدراسات العليا والبحوث بالجامعة العالمية للعلوم الإسلامية بلندن. عضو الجمعية الفلسفية العربية بالأردن, والهيئة الاستشارية لمجلة الجامعة الإسلامية بلندن. من مؤلفاته تصورات العالم في الفكر الإسلامي ، الزمان في الفكر الإسلامي ، الإنسان في فلسفة الفارابي  إلى جانب العديد من الأبحاث المنشورة في الفلسفة, والدين, والتصوف, وغيرها. شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات الدولية في كل من الجزائر, وليبيا, وأسبانيا, ومصر, وبريطانيا.

احتفالية الدكتور عبد الله الموسوي في مؤسسة الحوار الانساني بلندن

أقامت مؤسسة الحوار الأنساني بلندن يوم الاربعاء 12 نيسان 2017 أمسية ثقافية للاحتفاء بالمنجز العلمي والفكري للدكتور عبد الله الموسوي، وقد تحدث فيها عدد من المثقفين العراقيين متناولين السيرة العلمية والتربوية للدكتور الموسوي .

ولد الدكتورعبدالله الموسوي في بغداد وأنهى فيها مراحل دراسته الأولية والجامعية حتى نال درجة الماجستير، حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة ويلز سنة 1990، شغل منصب رئيس قسم العلوم التربوية والنفسية / كلية التربية جامعة بغداد، كما ترأس الجمعية العراقية للعلوم التربوية والنفسية، ثم عمل  كأول مستشار ثقافي في لندن سنة 2006 بعد انقطاع دام اكثر من ربع قرن ،وقد باشر عمله في ظروف قاسية وشمل برعاية 350 طالب دراسات عليا بين دكتوراة وماجستير في مختلف الجامعات البريطانية ،لكنه تعرض لضغوط من شخصيات نافذة وحركات واحزاب سياسية حاولت دفعه بأتجاه استغلال سلطاته لتنفيذ اجندات تصب في مصلحة الشخصيات الفاسدة، مما دفعه للاستقالة من منصبه عام 2008 ،كما تعرض لتهديدات الفاسدين مما اجبره على البقاء بعيدا عن وطنه. صدرت له حتى الآن اربعة كتب هي "التربية الصناعية"، "العولمة"، "التربية المقارنة والتربية الدولية" و "في التطبيقات التدريسية والتربية العملية". أشرفَ على العديد من رسائل الماجستير الدكتوراه، كما نشر أكثر من (50 ) بحثاً. ومُنح جائزة المعهد الدولي للبحوث التربوية / واشنطن 2009.

البروفيسور غازي درويش اول المتحدثين

وقد كان البروفيسور غازي درويش اول المتحدثين ممن تناولوا سيرة الدكتور الموسوي بالعرض والتحليل ، والبروفيسور درويش يرتبط بعلاقة صداقة مع الدكتور الموسوي تمتد لسنوات طويلة ، وابتدأ الدكتور درويش حديثه بالقول ، ان الدكتور عبدالله حسن نعمة الموسوي من مواليد بغداد 1941،ختم القرآن قبل التحاقه بالمدرسة جريا على ما كان شائعا من تعليم في الكتاتيب يسبق التعليم الرسمي ،حيث يبعث الاهالي اولادهم لحفظ القرآن وتعلم اللغة العربية وبعض علومها ،واذا علمنا ان والد الدكتور الموسوي كان رجل علم وفقه علمنا سبب اصراره على تعليم كل اولاده (ستة اولاد وبنتين) حتى مراحله العليا .

التحق عام 1948 بمدرسة البتاويين الابتدائية للبنين ،والتي كان مديرها الاستاذ محمد صادق الفتال،الذي اجرى اختبارا للطفل عبد الله عندما اراد اهله تسجيله في المدرسة ،فأكتشف الاستاذ الفتال مدى نباهة الولد ومستواه المتقدم على اقرانه مما جعله يسجله في الصف الثاني الابتدائي مباشرة دون المرور في الصف الاول . ثم دخل الى مدرسة الرشيد الثانوية في الحيدر خانة ليتم فيها دراسته للمرحلة المتوسطة ،وعلى طريقة الطرفة العراقية التي تصف وزارة الدفاع العراقية بأنها مقابل لبن اربيل ،فان ثانوية الرشيد الشهيرة في الحيدرخانة كانت مقابل كعك السيد ،ولا اظن ان هنالك بغداديا وربما عراقيا لا يعرف او لم يسمع بكعك السيد.

 ومع اهتمام حكومات العهد الملكي بالتعليم فقد تم انشاء 14 دار معلمين ابتدائية في كل الالوية (المحافظات ) حينها ،اما بغداد فكان فيها ثلاث دور للمعلمين لتخريج معلمي المرحلة الابتدائية ،بينما تخرج دار المعلمين العليا مدرسي المرحلة الثانوية ،وقد التحق عبد الله الموسوي عام 1956 بدار المعلمين الابتدائية في ابي غريب واتم دراسته فيها ليتخرج منها عام 1958 ويعين معلما للغة الانكليزية في محافظة السليمانية في شمال العراق وفي هذه المرحلة ونتيجة لعمله خمس سنوات في السليمانية تعلم الموسوي اللغة الكردية وتكلمها بطلاقة.

سافر الموسوي للعمل مدرسا في لجزائر عام 1963 ضمن حملات مساعدة الجزائر للنهوض بمؤسساتها التعليمة بعيد الاستقلال ،وامضى هنالك اربع سنوات ،ليعود للعراق عام 1967 ويلتحق بالجامعة المستنصرية - قسم الدراسة المسائية في كلية التربية - العلوم النفسية والتربوية ،ليتخرج عام 1971 حاصلا على شهادة البكالوريوس في العلوم التربوية والنفسية ،ليعود للعمل في الجزائر في المعاهد العليا من العام 1971 حتى العام 1974،وبعد عودته للعراق عملا استذا في المعهد المركزي لاعداد المعلمين حتى العام 1985حيث التحق بالبعثة العلمية في المملكة المتحدة للدراسة في جامعة ويلز للحصول على درجة الدكتوراة التي حصل عليها عام 1990 عن رسالته الموسومة (النظم التعليمية والمناهج الدراسية - دراسة مقارنة بين العراق وبريطانيا).

وعند عودته للعراق عام 1991عمل استاذا في كلية التربية – ابن رشد حتة عام 2006 ،كما كان رئيسا لقسم العلوم التربوية والنفسية، وكذلك عمل باحثا في بيت الحكمة والمجمع العلمي العراقي في مجال البحوث التربوية والنفسية ،ومن ثم انتقل للعمل ما بين 2006 – 2008 مستشارا ثقافيا في المملكة المتحدة ،وحاز عام 2009 على جائزة المعهد الدولي للبحوث التربوية في واشنطن.

درع مؤسسة الحوار الانساني

قدم بعد ذلك الاستاذ غانم جواد مدير مؤسسة الحوار الانساني بلندن درع مؤسسة الحوار الانساني الذي يمثل مسلة حمورابي وامامها يقف الملك البابلي وهو يتسلم لفائف الحكمة من الالهة في دلالة على اهمية الفكر والابداع ،وذكر الاستاذ غانم انه وبأسم سماحة اية الله العظمى الفقيه السيد حسين السيد اسماعيل الصدر يقدم هذا الدرع كرمز لتكريم المبدعين والمفكرين والاكاديميين العراقيين ومنهم الاستاذ الدكتور عبد الله الموسوي على كل ما قدمه في مسيرته العلمية والاكاديمية ،وان هذا الامر اصبح نهجا اختطته مؤسسة الحوار الانساني لنفسها في تكريم العلماء والمفكرين والمبدعين.

تكريم الاكاديمية العلمية للبحث والتدريب

ثم تقدم الاستاذ الدكتور وسام الشيخلي لقراءة شهادته والاحتفاء بالاستاذ الدكتور الموسوي وذلك عبر تقديمه درع الاكاديمية العلمية للبحث والتدريب ،والقى كلمة اشاد فيها بجهود الاستاذ الموسوي وذكر بأنه قد تتلمذ على يده عندما عاد من خارج العراق وحضر دورة اعداد اساتذة الجامعات التي يعدها ويحاضر فيها الاستاذ الموسوي، وفي جو مفعم بالحب والامتنان قدم الدكتور الشيخلي هديته للدكتور الموسوي الذي احتضن تلميذه شاكرا كرم التلميذ عندما يتذكر استاذه.

ثم تقدم عدد من الاساتذة بصفتهم الشخصية او نيابة عما يمثلونه من جهات بتقديم التبريكات للدكتور الموسوي.

تستضيف مؤسسة الحوار الانساني الاستاذ حافظ الموسوي في امسية ثقافية يوم الاربعاء 5/4/2017 يتحدث فيها عن ضرورة الملتقى السنوي في ذكرى استشهاد الامام محمد باقر الصدر والحاجة الى فكره والانطلاق منه لمعالجة مشاكل واقعنا المتردي .

الاستاذ حافظ الموسوي مهندس ميكانك ،حصل على بكالوريوس هندسة القوى من جامعة بغداد – كلية الهندسة عام 1976، واكمل دراسته في جامعة ليون بفرنسا ليتخصص في تكنولوجيا معدات التلقيح ،وهو كاتب متخصص في الفكر القرآني المعاصر.

In memory of the first martyr Imam Muhammad Baqir Al - Sadr

HDF in London will host Hafez Al-Moussawi in a cultural event on Wednesday 5th April 2017.He will discuss the necessity of the annual forum on the anniversary of the martyrdom of Imam Muhammad Baqir al-Sadr and the need for his idea and starting from it to address the problems of our deteriorating reality

Hafez Al-Moussawi is a Mechanical Engineer. He received his B.Sc. in Power Engineering from the University of Baghdad - Faculty of Engineering in 1976. He completed his studies at the University of Lyon in France to specialize in the technology of pollination equipment. He is a specialist writer in contemporary Quranic thought.

المثقفون المنسيّون في العراق

ضيفت مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم لاربعاء 22/3/2017 الكاتب والباحث العراقي  الاستاذ وديع العبيدي في امسية ثقافية تحدث فيها عن رموز عراقية من جيل الرواد تركوا بصمتهم في الثقافة والعقل العراقي.

الاستاذ وديع العبيدي ، كاتب غزير الانتاج يكتب باللغتين العربية والالمانية ، كتب في حقول مختلفة كالشعر والرواية والنقد والفكر والانطولوجيا ،صدر له عشرة مجاميع شعرية ،وروايتين ، وسبعة كتب نقدية ،كما عمل في الصحافة والاعلام المسموع ، حيث قدم برنامجا اذاعيا اسبوعيا باللغة العربية في مدينة لنز/ النمسا 1998م ، رأس تحرير مجلة الساري- فصلية ثقافية بالعربية والالمانية 1998- 1999م ، مجلة ضفاف- فصلية ثقافية باللغتين العربية والالمانية 1999- 2005م ، كما كان له مساهمات متنوعة في عدد من الدوريات والانطلوجيات العربية والالمانية والانجليزية.

مدارس الأليانس اليهودية في العراق

تستضيف مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 15 فبراير 2017 الاستاذ اميل كوهين في امسية ثقافية يقدم فيها لمحة تاريخية عن التطور الثقافي ليهود العراق ويتحدث فيها عن مدارس الأليانس اليهودية ودورها في المجتمع العراقي.

الاستاذ أميل كوهين من مواليد البصرة سنة 1943. أنهى دراسته في بغداد بإعدادية شماش وقدم الى بريطانيا لدراسة الهندسة المدنية ومارس الهنسة المدنية لمدة 42 عاما. أهتم بالموسيقى التراثية العراقية واشتهر بتنظيم حفلات كبيرة في SOAS وفي Queen Elizabeth Hall وال Barbican والمركز الثقافي العراقي ، كما اهتم بالبحوث والدراسات المختصة بتاريخ العراق وبشكل خاص تاريخ يهود العراق في القرن العشرين ، ساهم في إعداد بعض الكتب العراقية التي نشرت عن يهود العراق كما شارك في بعض برامج القنوات العربية للحديث عن يهود العراق.

 

اعتذر الدكتور العلاق عن حضور الامسية لأسباب خاصة .

 

واحيا الامسية الاستاذ صادق الطائي ببحث بعنوان : الثقافة العراقية في زمن العقوبات الاقتصادية (الحصار)

 

Sadek Altaee

 

 

تستضيف مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 30/11/2016 الاستاذ غيث التميمي والاب نضير زكو في أمسية ثقافية يتحدثان فيها عن جدلية المكونات والمواطنة العادلة في الدولة الحديثة ويقدمان رؤيتيهما لماهية التنوع في العراق بعد داعش.
الاستاذ غيث التميمي كاتب وصحفي له عدد من الدراسات والمقالات في صحف ودوريات عراقية وعربية ،اتم دراسته في الحوزة الدينية في النجف الاشرف، ناشط مدني ورئيس المركز العراقي لإدارة التنوع ICDM . قدم عدد من المحاضرات في مراكز أبحاث وأكاديميات عراقية واجنبية، شارك في عدد من المؤتمرات المحلية والدولية.

الاب نضير زكو حاصل على شهادة البكلوريوس في الفلسفة وعلوم اللأهوت.عمل في بغداد منذ عام 1997 وحتى 2013 وخدم في اقدم كنيسة في بغداد كاتدرائية ام الأحزان – عقد النصارى ، شغل منصب الأمين العام المساعد لمجلس رؤساء الطوائف المسيحية في بغداد والعراق 2006 -2012، ارسل الى روما لأكمال دراسته في جامعة القديس توما الأكويني ( الأنجيلكوم) 2013 ، تم تعيينه راعيا للأرسالية الكلدانية في المملكة المتحدة 2014.

تستضيف مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 23/11/2016 الدكتور صباح جمال الدين في أمسية ثقافية يتناول فيها ابداع عدد من الاطباء في المجالات الادبية المختلفة .

تستضيف مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء المصادف 16/ 11/2016 الدكتور سعد عبد الرزاق في أمسية ثقافية يسليط فيها الضوء على (الفقر في العراق ) وتبيان حالات الفقر في العراق حسب احصائيات وزارة التخطيط، ومناقشة الأمكانيات التي تساعدنا على تجاوزها.

تستضيف مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 9/11/2016 الاستاذ الدكتور وسام الشيخلي في أمسية ثقافية يتحدث فيها عن اهمية الرياضة الصحية وتأثيرها على اسلوب حياتنا المعاصرة.
الدكتور وسام الشيخلي حاصل على البكالوريوس في الطب والجراحة من جامعة طوكيو – اليابان ،وكذلك حاصل على الماجستير والدكتوراة من جامعة طوكيو – اليابان متخصصا في الطب الرياضي ،عمل في مستشفى طوكيو العام – قسم الطب الرياضي،اشرف

تستضيف مؤسسة الحوار الأنساني بلندن الاستاذ الدكتور جعفر هادي حسن يوم الاربعاء 19  اكتوبر2016  في امسية ثقافية بعنوان (يهود الحجاز قبل ظهور الإسلام)  سيتناول فيها دور يهود الحجاز الكبير في الحياة الثقافية والإقتصادية والتجارية والإجتماعية في مجتمع الجزيرة العربية قبل الاسلام .

الدكتور جعفر هادي حسن باحث وأستاذ جامعي عراقي، مختص بالدراسات اليهودية واللغات السامية ،  درس في عدد من الجامعات العربية والغربية، وله عدد من الكتب والدراسات  في الدراسات اليهودية باللغتين العربية والإنجليزية. وقد أجيزت أطروحة ماجستير عن دراساته بدرجة امتياز في العام الماضي في جامعة الأمير عبد القادر في الجزائر.

Maytham_alhelo

تستضيف مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 2/11/2016 الدكتور ميثم الحلو في امسية ثقافية يتحدث فيها عن الدين كتجربة ذاتية لإنتاج المعنى والإيمان كخيار ذاتي من حيث فهم النص الديني وفهم موافقته للكليات التي حث عليها النص من الدعوة الى العدل والمساواة وتكامل الإنسان.

الدكتور ميثم الحلو طبيب مختص بالامراض لجلدية ،صدر له اربعة كتب منها كتاب نقدي للفكر الإسلامي السائد قدم فيه قراءة مختلفة وانسانية للتدين. أنشأ مجموعة ( لمن يجرؤ على العقلانية ) التي يقدمون من خلالها فعاليات فكرية كل جمعة في الهواء الطلق في القشلة لنشر الفكر التنويري. باحث يعنى بكيفية تقديم قراءة عقلانية للاسلام.

تستضيف مؤسسة الحوار الأنساني بلندن الاستاذ الدكتور جعفر هادي حسن يوم الاربعاء 26 اكتوبر2016  في امسية ثقافية بعنوان (يهود الحجاز قبل ظهور الإسلام) - ج2  سيتناول فيها دور يهود الحجاز الكبير في الحياة الثقافية والإقتصادية والتجارية والإجتماعية في مجتمع الجزيرة العربية قبل الاسلام .